حين تتحول اللغة إلى جسر بين عُمان والصين

 

 

 

 

 

ناصر بن حمد العبري **

 

 

 

ليست اللغة مجرد حروف وكلمات وقواعد نحفظها، بل نافذة نطل من خلالها على ثقافة الشعوب وتاريخها وطريقة تفكيرها. ومن هنا تبرز المدرسة الكنفوشيوسية باعتبارها أكثر من مؤسسة تعليمية لتدريس اللغة الصينية؛ فهي مساحة للحوار الحضاري، ومنصة للتقارب بين الثقافات، وجسر يربط الأجيال الجديدة بحضارة صينية ضاربة في عمق التاريخ.

 

ومن خلال اهتمامي بالبحث في الشأن الصيني، ودراساتي التي تناولت العلاقات العُمانية الصينية، والتعاون العربي الصيني، وتجربة مراكز الدراسات الصينية العربية، وجدت أن التعليم والثقافة يمثلان أحد أهم المفاتيح لفهم طبيعة العلاقات بين الشعوب، فالاقتصاد والسياسة يصنعان مسارات التعاون، لكن المعرفة والثقافة واللغة تمنح هذه العلاقات عمقًا إنسانيًا واستدامة أكبر.

 

وتأتي المدرسة الكنفوشيوسية في مقدمة المؤسسات التي يمكن أن تؤدي هذا الدور؛ فهي تفتح أمام الطالب العربي فرصة لتعلم اللغة الصينية والتعرف في الوقت نفسه على التاريخ والحضارة والفنون والعادات والتقاليد والقيم الثقافية للمجتمع الصيني. وبذلك يصبح الطالب شريكًا في عملية التبادل الثقافي، وليس مجرد متلقٍ للمعرفة.

 

ومن واقع تجربة الطلبة العرب والخليجيين في الجامعات الصينية، يمكن ملاحظة أنَّ تعلم اللغة لا يساعد الطالب على التواصل اليومي فحسب، بل يمنحه قدرة أكبر على فهم البيئة التي يعيش فيها، والتفاعل مع المجتمع، وبناء علاقات إنسانية وأكاديمية تتجاوز حدود القاعات الدراسية.

 

وهذا الجانب يتقاطع بصورة مباشرة مع مسار البحوث التي أعمل عليها حول الصين والعالم العربي، والتي تسعى إلى قراءة العلاقات الصينية العربية من زوايا متعددة، لا سيما التعليم والثقافة ومراكز الدراسات والتبادل الحضاري. فكلما تعمقنا في دراسة الصين، أدركنا أن فهمها لا يمكن أن يكتمل من خلال الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما يحتاج إلى الاقتراب من الإنسان والثقافة واللغة والتاريخ.

 

وفي السياق العُماني، يمكن للمدرسة الكنفوشيوسية أن تكون إحدى الأدوات المهمة لتعزيز التواصل بين المجتمعين العُماني والصيني، خصوصًا مع اتساع مجالات التعاون بين البلدين. فالطالب الذي يتعلم الصينية اليوم قد يكون الباحث أو الدبلوماسي أو الأكاديمي أو رجل الأعمال الذي يساهم غدًا في بناء مرحلة جديدة من العلاقات بين عُمان والصين.

 

إن الاستثمار في تعليم اللغة الصينية هو في جوهره استثمار في الإنسان، وفي المعرفة، وفي مستقبل العلاقات بين الشعوب. والمدرسة الكنفوشيوسية، بهذا المعنى، لا تعلّم لغة فحسب؛ إنها تزرع جسورًا ثقافية يمكن أن تمتد من قاعة الدرس إلى الجامعة، ومن البحث العلمي إلى التعاون الدولي، ومن معرفة الآخر إلى احترامه.

 

وفي عالم تتقارب فيه المسافات بين الأمم، تصبح المعرفة أقوى جسور التواصل، وتبقى اللغة واحدة من أكثر الطرق تأثيرًا لصناعة هذا التقارب. ومن هنا فإن المدرسة الكنفوشيوسية تمثل تجربة تستحق الاهتمام والدعم، لأنها تضع الثقافة في قلب العلاقات الدولية، وتجعل من الطالب نقطة التقاء بين حضارتين وشعبين.

** باحث في الشؤون الصينية، وعضو جمعية كنفوشيوس

الأكثر قراءة

z