الضربة التي لا تُنهي شيئًا!

كيف يُعاد إنتاج عدم الاستقرار في الشرق الأوسط؟

 

د. عبدالناصر سلم حامد **

في الشرق الأوسط، لا تكون الضربة العسكرية حدثًا عابرًا، بل لحظة اختلال تُعيد تعريف مسارات الأمن والسياسة معًا. وفي نظام إقليمي فقد آليات الاحتواء، تتحول القوة من أداة حسم إلى لغة لإدارة الأزمات بصورة مستدامة.

لذلك لا تُقاس الضربات بحجمها أو بدقتها التقنية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل بنية المخاطر الإقليمية وإعادة توزيع اللااستقرار داخل نظام هشّ بطبيعته؛ فالمنطقة لا تعمل كساحة صراع تقليدية يمكن احتواء نتائجها داخل حدود المواجهة، بل كنظام مركّب تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة، والأمن مع الاقتصاد، والدولة مع الفاعلين من غير الدول. وفي هذا السياق، يتحول أي استخدام للقوة من فعل تكتيكي محدود إلى حدث بنيوي يُطلق ديناميات تتجاوز نطاقه المباشر.

إنَّ أي ضربة عسكرية، مهما وُصفت بالمحدودة، تُحدث اختلالًا فوريًا في ما يمكن تسميته الضبط الاستراتيجي الإقليمي. ولا ينجم هذا الاختلال عن الرد المتوقع فحسب، بل عن كسر قواعد الاشتباك غير المكتوبة التي تنظّم سلوك الخصوم وتمنع الانزلاق غير المقصود. ومع انكسار هذه القواعد، يدخل الإقليم في حالة من الغموض الاستراتيجي، تصبح فيها الرسائل العسكرية قابلة لتفسيرات متباينة، وترتفع احتمالات سوء التقدير والتصعيد العرضي. وهنا تتجلى المفارقة المركزية في القوة المعاصرة: الفارق بين الدقة العملياتية والتحكم السياسي؛ إذ يمكن إصابة الهدف بدقة، لكن لا يمكن احتكار تفسير الضربة أو التحكم في سلاسل التفاعل التي تُطلقها.

في هذا السياق، لا يمكن فصل خيار الضربة عن طبيعة المطالب السياسية المصاحبة لها؛ لأن كليهما ينطلق من منطق واحد: تعديل موازين القوة لا إدارتها. لذلك تُقرأ هذه المطالب لا بوصفها حزمة تفاوضية، بل امتداد منطقي لخيار الضربة ذاته. ويتجسد ذلك في حزمة المطالب الأمريكية من إيران، التي تتجاوز إدارة الخطر النووي إلى إعادة هندسة مصادر القوة السيادية. فالمطالبة بـ"صفر تخصيب" لليورانيوم لا تعني مجرد ضبط تقني؛ بل نزع حق سيادي تُقرّه معاهدة عدم الانتشار من حيث المبدأ، وتحويل الدولة المعنية إلى حالة استثناء دائم داخل النظام الدولي.

أما استدعاء النموذج الليبي لعام 2003، فيحمل دلالة استراتيجية عميقة في الذاكرة الإيرانية؛ إذ يُستحضَر بوصفه نموذج تفكيك أحادي مقابل وعود أمنية لم تكن قابلة للإنفاذ، وانتهى بسقوط النظام نفسه. وفي الحساب الإيراني، لا يُنظر إلى هذا النموذج على أنه مرجع للتسوية، بل تحذير استراتيجي من كلفة الامتثال دون ضمانات مُلزمة.

ويأتي مطلب تسليم نحو 700 كيلوجرام من اليورانيوم المُخصَّب إلى دولة ثالثة ليُفرِّغ البرنامج النووي من وظيفته التفاوضية. فمن الناحية التقنية، يهدف هذا الإجراء إلى إطالة «زمن الاختراق»؛ لكنه سياسيًا يُنتج لا تماثلًا تفاوضيًا حادًا، إذ يُطلب تقديم تنازلات مادية لا رجعة فيها مقابل التزامات قابلة للتعديل أو النكث. أما تفكيك المنظومة الصاروخية الباليستية، فيمسّ جوهر عقيدة الردع التقليدي في بيئة إقليمية مختلّة التوازن، لا تتمتع فيها إيران بمظلات دفاعية أو تحالفات أمنية رسمية، ويُقرأ بوصفه نزعًا لقدرة الرد وفتحًا لباب الإكراه العسكري مستقبلًا.

استراتيجيًا، تكشف هذه المطالب عن انتقال واشنطن من منطق إدارة المخاطر إلى منطق إزالة مصادر القوة. وهذا الانتقال لا يُخفِّض احتمالات الصراع، بل يرفعها، لأنه يُنتِج حافزًا عكسيًا؛ فكلما ارتفع سقف المطالب، زادت دوافع الرفض، وشراء الوقت، وتعظيم الغموض، والبحث عن أدوات ردع غير متماثلة، بدل القبول بتفكيك أحادي من دون ضمانات قابلة للإنفاذ. وتُظهر تجارب الإقليم خلال العقدين الماضيين أن الضربات التي تستهدف تفكيك أدوات الردع لا تُنتج سلامًا مستدامًا، بل فراغًا أمنيًا يتسع داخله عدم الاستقرار.

وتتضاعف هذه المخاطر بفعل الخصوصية الجغرافية السياسية للشرق الأوسط؛ حيث تعمل المنطقة كمضاعِف للصراع؛ فالقواعد العسكرية، وشبكات الطاقة، والموانئ، والممرات البحرية متقاربة ومترابطة، ما يجعل أي تصعيد محسوسًا عبر الإقليم بأكمله. ودول تُعلن الحياد تجد نفسها فجأة أمام ارتفاع في علاوة المخاطر، وتعقيد في حسابات الملاحة والتأمين، وحساسية متزايدة تجاه البنى الحيوية. وهكذا تتحول الضربة من حدث ثنائي إلى أزمة إقليمية متعددة المستويات، في ظل ضعف آليات الأمن الجماعي وتنازع الأطر الأمنية.

اقتصاديًا، يظهر الأثر الأسرع والأوسع؛ إذ تتحرك الأسواق على أساس التوقعات قبل الوقائع، ما يجعل التصعيد العسكري عاملًا مباشرًا في تسييس الطاقة وتحويلها من مورد اقتصادي إلى أداة ضغط وإكراه. وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة كلفة الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، تضغط على الاقتصادات الهشّة بصورة مضاعفة، وتفتح المجال أمام اضطرابات اجتماعية وسياسية داخلية، حتى في دول غير منخرطة مباشرة في الصراع.

سياسيًا، تُجبِر أي ضربة دول المنطقة على إعادة معايرة تحالفاتها ومواقعها؛ فبعض الدول تُعمِّق ارتهاناتها الأمنية بحثًا عن مظلات حماية، وأخرى تحاول تحصين سياسات التوازن أو الحياد، فيما تسعى دول ثالثة إلى الوساطة لتقليل الكلفة. غير أن تعدد هذه الاستجابات، في غياب إطار إقليمي جامع، يؤدي غالبًا إلى تجزئة الأمن بدل تنسيقه، ويُضعف القدرة الجماعية على ضبط التصعيد.

الخلاصة.. أن جوهر الإشكال في الشرق الأوسط لا يكمن في غياب القوة؛ بل في طريقة استخدامها داخل نظام إقليمي مختلّ يفتقر إلى آليات الاحتواء والتسوية. والضربة، مهما كانت محدودة في التخطيط، لا تعمل في فراغ؛ بل داخل بيئة تُحوُّلها تلقائيًا إلى حلقة جديدة في سلسلة تصعيد مُدارة، تُؤجَّل فيها الانفجارات ولا تُمنع. وفي ظل مطالب سياسية تسعى إلى تفكيك أحادي لمصادر الردع والسيادة، من دون إطار أمني بديل أو ضمانات قابلة للإنفاذ، يصبح الاستقرار هدفًا مؤجلًا، وتتحول إدارة اللااستقرار إلى السياسة الفعلية السائدة. هكذا لا تُنهي الضربة الصراع، بل تُعيد إنتاجه بأشكال أقل وضوحًا وأكثر كلفة، في إقليم يعيش على حافة الأزمات لا خارجها.

** باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب "فوكس" بالسويد

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z