مها الحجرية
ليس غريبًا أن تهزّ الصدمات الكبرى وجدان البشر، ولا مستغربًا أن تُحدِثَ فيهم ارتباكًا أخلاقيًا ومعرفيًا عميقًا، لكن الغريب- تاريخيًا- هو توقّع أن تتحول هذه الصدمات تلقائيًا إلى تحولات دائمة في السلوك والاختيارات وأنماط العيش، فالتاريخ مثل علم النفس والاجتماع، لم يشهد بأن الصدمة وحدها كانت يومًا مصنعاً للتغيير المستقر..
الطوفان، باعتباره حدثًا صادمًا وعنيفًا ومكثفًا للمعنى كشف هذا الوهم بوضوح، لقد أحدث شرخا في الوعي، وفضح هشاشة كثير من المسلّمات، وأيقظ أسئلة أخلاقية كانت مؤجلة أو مقموعة، لكنه في الوقت نفسه عرّى حدود الصدمة نفسها، وحدود الرهان عليها باعتبارها أداة تغيير اجتماعي شامل.
من حيث البنية النفسية، لا تعيش الصدمة طويلا في صورتها الخام، فهي تُحدث اندفاعًا وجدانيًا حادًا، لكن هذا الاندفاع بطبيعته غير قابل للاستدامة، فالإنسان كائن يتكيف بسرعة مذهلة؛ لأن الاستمرار في التوتر العالي يهدد توازنه النفسي وقدرته على العيش ولهذا ما لم تترجم الصدمة إلى معنى منظم، ومسار واضح، وخيارات عملية قابلة للتكرار، فإن الجهاز النفسي يسعى لا شعوريا إلى تخفيف حدّتها، ثم تحييدها، ثم إزاحتها إلى الهامش.
لكن العامل النفسي وحده لا يفسر كل شيء، فالإنسان لا يتحرك داخل فراغ أخلاقي أو وجداني، بل داخل منظومات كاملة تُعيد تشكيل سلوكه يوميا (مؤسسة العمل، الأسرة، السوق، الخطاب الإعلامي، العلاقات الاجتماعية، وضغط المعيشة) هذه المنظومات تعمل بإيقاع ثابت، بارد، تراكمي، بينما تعمل الصدمة بإيقاع مُرتفع، خاطف، غير منتظم، ومع مرور الوقت ينتصر الإيقاع المستقر على الاندفاع العابر، ليس لقوته الأخلاقية، ولكن لقوته التنظيمية التي تطوق يوم الإنسان من شروقه إلى غروبه.
والطوفان في هذا السياق لم يفشل في تحريك الناس، لكنه اصطدم بواقع لا يسمح للتحريك أن يتحول إلى مسار، كثيرون شعروا، تعاطفوا، غضبوا، بكوا، كتبوا، شاركوا، ثم عادوا تدريجيًا إلى الحياة كما هي، لأنَّ المعنى لم يجد أرضا صابة يتجسد فيها؛ فالواقع لن يتغير والواقع لا يكافئ الالتزام طويل الأمد، بل أحيانا يغتال النبل تحت وطأة الضرورة.
وهنا يبرز خطأ شائع في قراءة الظواهر الكبرى تحميل الكثرة ما لا تحتمل، فالجماهير في كل التجارب التاريخية كانت مرآة تظهر الاتجاه الغالب وليست محركا؛ تتأثر، تنفعل، تواكب، لكنها نادرًا ما تقود، فالتغيير الحقيقي لم يكن يومًا فعل الكثرة، بل فعل قلة نوعية، قلة لا تتعامل مع الصدمة باعتبارها حدثًا عاطفيًا، بقدر ما تتعامل معها كاختيار معياري يعيد ترتيب الحياة من جذورها.
هذه القلة قادرة على تحويل الصدمة إلى التزام والالتزام إلى نمط والنمط إلى مؤسسة، هي التي تفهم أن الصدمة إن لم تؤطّر، ستتحول إلى ذكرى، وإن لم تُنظم وتُحمَل على كتف مشروع طويل النفس، ستصبح مجرد أرشيف للألم المفقود.
الطوفان، بهذا المعنى هو معيار كاشف: من يستطيع أن يعيش وفق منطقه؟ من يملك الشجاعة ليعيد تعريف النجاح، والأمان، والمكانة، والراحة، على ضوء ما كشفه؟ ومن يكتفي بأن يحتفظ به كصورة مؤلمة في الذاكرة دون أن يسمح له بإعادة تشكيل حياته؟
التغيير لا يُولد من الصدمة، بل من القدرة على حراسة أثرها حراسته من النسيان، ومن التكيّف السلبي، ومن التحول إلى مجرد مادة استهلاكية في الوعي العام، وهذه الحراسة لا تقوم بها الجماهير، بل القلة التي تدرك أن المعنى إذا لم يتحول إلى نظام، ابتلعه الواقع، مهما كان صافيا أو جليلا.
إن الصدمات لا تغيّر الناس تلقائيا، لكنها تغربلهم، تكشف من يملك قابلية التحول، ومن يملك فقط قابلية الانفعال، فالطوفان في جوهره، امتحان بنية الوعي، وبنية القيم، وبنية القدرة على العيش وفق ما نراه حقا، ليس وفق ما ألفناه قسرًا.
