سعيد بن عبدالله الدارودي
ظهر في أقطار الوطن العربي «مثقَّفون» قُدِّموا على أنهم «تنويريون» و«حداثيون»، ولقد لمَّعهم مَن لا يريد بهذه الأمة خيرًا، ليضطلعوا بمهمة تزييف وعي الشعوب العربية.
وفي المغرب الأقصى بَرَزَ اسم أحمد عصيد بصفته واحدًا من «نُخْبتهم»، قُدِّم للجمهور على أنه قامة عِلْمية وفِكرية رفيعة، لكن لوحظ عليه أنَّه عندما يقف في حلبة المناظرات أمام أصحاب الفكر والعلم الحقيقيين يتهاوى أمام الضربات السديدة القاضية التي يتلقَّاها منهم، فلقد ناظر ـ في شهر يوليو 2025م ـ الدكتور محمد طلال لحلو في مناظرة شهيرة جعلته في موقف لا يُحسد عليه، والدكتور لحلو تقدِّمه ويكيبيديا قائلة: بأنه يُعدُّ أحد أبرز الأسماء في مجال الاقتصاد والمالية الإسلامية في الوطن العربي، ويتميز بسيرته الأكاديمية الغنية ومساهماته الفكرية العميقة في تطوير أدوات بديلة للنظام المالي التقليدي، يشتهر بقدرته على الربط بين النظرية والتطبيق، مقدما حلولًا واقعية ومستدامة تناسب خصوصيات الدول النامية، وهو ما جعل مؤلفاته تحظى بتقدير دولي واسع، وتأتي هذه المكانة نتيجة جهد أكاديمي متواصل وتكوين علمي عالي في جامعات مرموقة. أمَّا عصيد فيُسَوَّق على أنه مفكر وباحث في حقوق الإنسان، وكل من يعرف الفكر وحقوق الإنسان جيّدًا، سيُدرك بأنه ليس له فيهما باع يستحق الذكر، إذْ إنَّ إغفاله لبعض الحقائق والوقائع، وانتقائيته، وتدليسه، لا يبهر إلا أتباعه المصابين بلوثة الكراهية للهوية العربية ولغتها الشريفة وعقيدتها الإسلامية السمحة، فالمناظرة التي دارت بينه وبين الدكتور لحلو كانت المسمار الأخير في نعشه؛ ومن يستمع لبعض شيعته الذين حاولوا أن يظهروه بأنه كان الأقوى في تلك المواجهة الفكرية، يشعر بحجم الخيبة التي أصابتهم جرَّاء هذه المناظرة.
وفي تتبعي لتحليلات تلك المناظرة نشرها باحثون وكتّاب مغاربة؛ عثرت على تحليل للصِحافي الغزالي سامر بعنوان {مناظرة الكاهن والعالم: بين طلال لحلو وعصيد، حين ينهزم الخطاب العتيق}، ونقتطف لكم بعضًا مما قاله: «رأيت الفارق الحقيقي بين من يرد بعاطفة، ومن يرد بورقة علمية». «عصيد يخاطب الماضي، وطلال يُحاور المستقبل».
«في الطرف الأول، شاهدت خطيبًا متهالكًا يُكرر شعارات هدى شعراوي وقاسم أمين بلغة فرنسية مرتعشة، يرفع راية الحداثة بيدين واهنتين، يتكئ على مقولات ثقافية لم تعد مقنعة حتى لرواد المقاهي الأدبية وفي الطرف الآخر، شاهدت طلال لحلو رجلًا لم ينبت لحيته على كراسات الشعارات، بل على صفحات المجلات المحكمة، باحثًا لا يكتفي بتمجيد الهوية أو مهاجمة الغرب، بل يستخرج من قلب الجامعات الغربية نفسها ما يثبت خلل أطروحاتها عن الإنسان، والمجتمع».
والآن ـ بعد أن عرَّجت على تلك المناظرة الشهيرة ـ سأختار لكم خرجتين من خرجاته العجيبة، مؤجّلًا بعضها إلى مقالات أخرى. إحدى هاتين الخرجتين ردَّ عليها مثقف تونسي متخصص في دراسة الإلحاد اسمه مازن زين، فحينما بثَّ عصيد مقطعًا يقول فيه: «الإلحاد ليس سهلًا، ليس من السهل أن تكون ملحدًا، الإلحاد يأتي بعد مسار طويل ديال التفكير والمطالعة والبحث والقراءة، وديال المجلدات والكتب والمراجع، الملحد لا يأتي ويصبح ملحدًا». ردَّ عليه الأستاذ مازن زين قائلًا: «نعم صحيح، الإلحاد يأتي بعد مسار طويل من القراءة المتخبطة والتيه المنهجي، وبعد مخاض عسير من الاضطرابات النفسية والمعرفية، أما حين الانضباط المنهجي والقراءة العميقة والتضلع المعرفي، فالإنسان لا يسعه إلا أن يكون مؤمنًا، يقول فرانسيس بيكن، (مؤسس) المنهج التجريبي الحديث: "صحيح أن القليل من الفلسفة يدفع عقول البشر تجاه الإلحاد، لكن التعمق في الفلسفة يقودها نحو الدين". ويقول فيرنر هايزنبرغ الحاصل على نوبل في فيزياء الكم: "الرشفة الأولى من كأس المعرفة الطبيعية ستجعلك ملحدًا، ولكن في نهاية الكأس، سوف تجد الإله في انتظارك".
وهذا له شواهد كثيرة من الواقع، من أهمها قصة الملحد الشهير أنتوني فلو، الذي قضى عمره كاملا يبحث في الإلحاد ويبشر به ويدافع عنه، ثم انتهى بعد تعمق بحثه واختمار معرفته إلى الرِّدَّة عن إلحاده والاعتراف بوجود إله في كتابه الأخير {هناك إله}، ولقد سبق أن ألقيتُ محاضرة بخصوصه. فالذين يتحدث عنهم عصيد، أولئك الذين ألحدوا عن قراءة ومطالعة، هم في الحقيقة يتململون فوق رَغْوة المعرفة.
ثم يقول عصيد: "الملحدون يقرؤون كثيرًا، لنأخذ لائحة كبار علماء البشرية، كبار المخترعين، كبار علماء الرياضيات والفيزياء والفلك والعلوم الدقيقة، سنجد أن غالبيتهم العظمى أناس ليس لهم إيمان ديني".
قلتُ: أين توجد هذه اللائحة؟ لن تجد لها ذِكرًا إلا في الحكايات الشعبية للإلحاد، ويبدو أن عصيد يستروح لسطحية متابعيه الذين يتلقفون أكاذيبه وتدليساته بعيون مُعصَّبة، فلا أحد يسائله ولا أحد يراجعه في المعلومات السينمائية التي يتلوها في جميع مسرحياته.
أما الحقيقة فخلافُ ما يَذكره، إذ إن كبار العلماء على مر التاريخ لم يكونوا ملاحدة، بل كانوا مؤمنين؛ يتضمن كتاب {مئة عام من جوائز نوبل} معلومات عن الحاصلين على الجائزة في القرن الأخير، منذ سنة 1901م إلى سنة 2000م، وفيه جاء أن نسبة الملاحدة من الحاصلين على نوبل لا يتعدى 10.5%، بينما الباقون كلهم أصحاب معتقدات دينية وإيمانية.
ويمكن قراءة كتاب {خمسون حائزًا على نوبل وعلماء عظماء آخرون يؤمنون بالإله} حيث قضى مؤلفه تيهومير ديميتروف أحد عشر عامًا في البحث والتنقيب في المصادر ليوثق آراء أبرز العلماء المرموقين وتصريحاتهم فيما يخص الإيمان بوجود الإله.
فمَن هم كبار العلماء هؤلاء الذين يتحدث عنهم عصيد؟ كوبرنيك وكيبلر لم يكونا ملحدين، غاليليو لم يكن ملحدًا، نيوتن لم يكن ملحدًا، آينشتاين لم يكن ملحدًا، ماكسويل لم يكن ملحدًا، ماكس بلانك لم يكن ملحدًا، باسكال لم يكن ملحدًا، فاراداي لم يكن ملحدًا، بويل لم يكن ملحدًا، هايزنبيرغ لم يكن ملحدًا، شرودنغر لم يكن ملحدًا... بل كان عدد منهم شديد الإيمان، مثل نيوتن.
ثم يقول عصيد: "لنأخذ كبار الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ، والشعراء الكبار". قلتُ: نعم لنأخذ كبار الفلاسفة والمفكرين، هل كانوا ملاحدة ينكرون وجود إله؟ هل أرسطو كان ملحدًا؟ هل أفلاطون كان ملحدًا؟ هل الكندي الذي كان من مؤسسي دليل الحدوث على وجود الإله كان ملحدًا؟ هل ابن سينا مطور دليل الإمكان في البرهنة على وجود الإله ودليل الصديقين كان ملحدًا؟ هل الفارابي كان ملحدًا؟ هل ابن رشد الفيلسوف الذي كان قاضيا يُفتي بالفقه التقليدي كان ملحدًا؟
طيِّب هل إمام فلسفة الحداثة ورسولها الأشهر رينيه ديكارت كان ملحدًا؟ هل فرانسيس بيكن الفيلسوف الذي يشتهر بتأسيسه للمنهج التجريبي الحديث كان ملحدًا؟ هل لايبنز كان ملحدًا؟ هل بيركلي كان ملحدًا؟ هل هيغل كان ملحدًا؟ هل إيمانويل كانط أكثر الفلاسفة تأثيرا في العصر الحديث كان ملحدًا؟
فمن هم هؤلاء المفكرون والفلاسفة الكبار الذين يتحدث عنهم عصيد؟ هل يقصد الدكتور الفايد ورشيد أيلال مثلا؟؟ نعلم يقينًا أن عصيد لن يتجرأ على ذكر أسماء هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الكبار الملاحدة، لأن ثقافته الشعبية والمستهلَكة لا تؤهله للخوض في هذا الموضوع، ولهذا لجأ إلى الشعراء. ربما كان عصيد يقصد بالفلاسفة والمخترعين الكبار نفسَه وأبا حفص والفايد وأيلال، هؤلاء الذين لو اعتصرتَهم جميعًا في خلاط كهربائي لا يخرجون لك ربع طه عبد الرحمن».
هذا الذي نقلته لكم هو معظم ما جاء في منشور الأستاذ مازن زين، الذي نشره في حسابه بالفيسبوك.
أمَّا خرجته الأخرى فقد ظهرت أيضًا في اليوتيوب؛ حيث يقول في مقطع له: «اللغة الأمازيغية هي معجزة حقيقية، لماذا؟ لأن كل اللغات التي عاصرتها انقرضت؛ انقرضت اللاتينية وانقرضت الفينيقية وانقرضت الفرعونية القديمة وانقرضت الحميرية والسبئية والكنعانية والسُّريانية، هذه كلها لغات عاصرت الأمازيغية التي كانت في فضاء شمال أفريقيا، وهذي اللغات كانت لغات حضارات وكانت لغات كتابية وانقرضت، بينما الأمازيغية كانت لغة محكيَّة شفوية أكثر مما هي مكتوبة، ورغم ذلك صمدت، وهذي يعتبرها علماء اللسانيات من المعجزات».
هذا كلام مردود، فمن المعلوم أنَّ من أسباب عدم انقراض بعض اللهجات البربرية هو وجود أصحابها في الجبال الوعرة وفي الصحاري الشاسعة وفي الواحات المعزولة البعيدة عن نفود الدولة المركزية القوية؛ فالعامل الجغرافي من أهم العوامل التي تؤدي إلى الحفاظ على اللهجات واللغات من الانقراض؛ وهذه بديهية عند علماء اللسانيات. ونصحح له قوله «الفرعونية القديمة»، بأن اسمها اللغة المصرية القديمة، ولا يصح أن نطلق عليها اسم اللغة الفرعونية أو اسم اللغة الهيروغليفية، فهي لم تكن لغة الفراعنة ملوك مصر دون بقية المصريين القدماء، والهيروغليفية تسمية إغريقية معناها النقش المقدس، أطلقه الإغريق على الكتابة التصويرية التي استعملت في مصر القديمة، وليس على لغة المصريين نفسها.
وإذا عُدنا للغات التي ذكرها، وبدأنا باللاتينية، سنجد بأنها لغة حقيقية ومثبتة تاريخيًا فلا ينكرها أحد، أمَّا «الأمازيغية الموحَّدة» فهي لغة افتراضية لم يستطع أحد أن يثبت وجودها في التاريخ، وما هو مثبت وجوده واقعًا معاشًا هو تلك اللهجات الكثيرة المنتشرة في شمال إفريقية والتي استبدل بعضهم التسمية التاريخية لها وهي البربرية بتسمية أخرى هي «الأمازيغية»؛ والبربريات هذه هي لهجات محكية في عصرنا هذا، انقرض بعضها، وبعضها مهدد بالانقراض، وبعضها نجا، وبخصوص عربية جنوب الجزيرة العربية التي يحصرها عصيد في «الحِمْيَريَّة والسَّبَئيَّة»، فما زالت حيَّة محكيَّة متمثِّلة في سبع لهجات شفوية غير مكتوبة هي الشَّحْرية والمَهْرية والسُّقطرية ولهجة هبيوت والحَرْسُوسية والبَطْحرية والحَلَّانية. وبخصوص الآرامية ووريثتها السُّريانية فلم تنقرضا فما زالتا حيّتين محكيَّتين في العراق وتركيا وإيران وأرمينيا، فالآرامية تتحدث بها قُرَى ثلاث في سورية هي معلولة وجُبَعدين وبخعة؛ هذه لهجات ولغات لم يقل أحد بأن بقاءها إلى هذه الساعة هو إعجاز يخالف السنن اللغوية في استمرارية اللغات أو اندثارها، أمَّا قوله بأنَّ بقاء اللهجات البربرية حيّة يُعَدُّ لدى علماء اللسانيات من المعجزات، فيلزمه أن يعطيَنا أسماء هؤلاء العلماء وأن ينقل لنا ما قالوه حرفيًا، فهو لم يخبرنا بهم (بافتراض أنهم موجودون) ولا بأقوالهم في هذا الشأن (بافتراض أنها مُثبتة وموثَّقة). وعند رجوعنا إلى مناظرته مع لحلو تبيَّن للجميع أنه ليس سوى فُقَّاعة إعلامية؛ ولهذا ختم الغزالي سامر منشوره ـ الذي اخترت منه بعض الفقرات لهذا المقال ـ بتوجيه كلامه إليه قائلًا: يا عصيد… زمنك ولّى.
