د. ابراهيم بن سالم السيابي
لكل وطنٍ ما يميّزه من قيم ومقومات، وما يمنحه هويته الخاصة بين الأمم، وعُمان بلد اجتمعت فيه عناصر متفردة قلّ أن تجتمع في غيرها: قيم التسامح والتعايش التي أصبحت سمةً راسخة لشعبها، نعمة الأمن والاستقرار التي حمت مسيرتها التنموية، الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي جعلها عبر التاريخ جسرًا يصل الشرق بالغرب، إضافة إلى تاريخ عريق يزخر بالإنجازات البحرية والتجارية والسياسية، وطبيعة إنسانٍ عُماني عربي أصيل، عرف بالصدق والوفاء وحب الخير.
إلى جانب هذه المقومات، تتميز السلطنة بموارد طبيعية غنية وبنية تحتية متقدمة نسبيًا، ما يوفر أساسًا متينًا للتنمية الاقتصادية. وقد أظهرت تقارير عالمية أن الحياة في عُمان من بين الأفضل عالميًا، ما يعكس استقرار المجتمع وجودة الحياة التي يتمتع بها المواطن والمقيم على حد سواء.
غير أن الاعتزاز بهذه القيم وحده لا يكفي لصناعة المستقبل، فالأخلاق والاستقرار مهما تميزت، لا تُنشئ اقتصادًا متينًا أو تخلق فرص عمل للشباب، وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نحوّل هذه الخصائص إلى قوة عملية تدعم التنمية وتفتح آفاقًا جديدة للأجيال القادمة؟
لقد مضت عقود طويلة اعتمدنا فيها على مصدر واحد للدخل، مما جعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق. واليوم، وفق رؤية "عُمان 2040"، بات من الضروري تطوير سياسات التعليم وربطها بالمتطلبات الحديثة، بحيث تُهيئ الأجيال القادمة للانخراط في سوق العمل بمهارات متقدمة، خصوصًا في قطاع الصناعة الذي يعد أحد ركائز التنويع الاقتصادي. إلى جانب ذلك، يجب توظيف قيم التسامح والاعتدال والوسطية والهوية العُمانية الأصيلة لبناء مجتمع جاذب للاستثمار والمبادرات الاقتصادية، ويطمئن إليه المستثمر والزائر على حد سواء.
الموقع الجغرافي الاستراتيجي يمنح عُمان فرصة لتكون مركزًا إقليميًا رائدًا في اللوجستيات والنقل البحري، وهو قطاع قادر على خلق فرص عمل وتنويع مصادر الدخل. كما إن السياحة، بما تحمله البلاد من طبيعة متنوعة وثقافة وتاريخ عريق، يمكن أن تكون رافدًا أساسيًا إذا أُحسن التخطيط لها وربطها بالأسواق العالمية. إلى جانب ذلك، يمثل الاستثمار في الاقتصاد المعرفي والابتكار وريادة الأعمال مسارًا رئيسيًا لبناء اقتصاد مستدام.
إن المطلوب اليوم هو تحقيق توازن دقيق بين ما نملك من رصيد حضاري وإنساني وما نحتاجه من نمو اقتصادي، فالتوازن يعني أن تبقى القيم الأخلاقية والهوية الأصيلة أساسًا يوجّه التنمية، لكنها تتحول في الوقت نفسه إلى أدوات عملية تعزز جاذبية الاقتصاد. فالتسامح يصبح بيئة للاستثمار، والاعتدال يمنح الاستقرار الاجتماعي، والهوية الوطنية توفر الثقة والاعتزاز الذي يدفع نحو الإنجاز. وبالمثل، على الإعلام أن يكون متوازنًا، مواكبًا للعصر، ينقل الواقع بموضوعية، بعيدًا عن المديح المفرط لكل ما تحقق، بحيث يسهم في توعية المجتمع وتحفيزه على العمل الجاد وتحويل الطموح إلى إنجاز ملموس.
مسؤولية المرحلة المقبلة لا تقف عند حدود الاعتزاز بما لدينا، بل تتطلب مضاعفة الجهد والعمل الجاد، وتحويل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى إنجازات.
ختامًا.. حب الوطن الصادق لا يُقاس بكثرة الإشادة أو بجمال العبارات، وإنما بقدرتنا على مواجهة الواقع وبناء اقتصاد قوي وضمان مستقبل كريم للأبناء. وعُمان، بما تملكه من استقرار سياسي، وقيم راسخة في التسامح والاعتدال، وهوية أصيلة، وموارد طبيعية وموقع استراتيجي، مؤهلة إذا أرادت أن تكون نموذجًا متفردًا في الجمع بين الأصالة والتنمية، وبين الروح والعمل، وبين الإنسان والطموح، ففي عُمان يلتقي الإنسان بقيمه مع الطموح بآفاقه، لتبقى وطنًا يجمع بين الهوية والإنجاز، وبين الحاضر والمستقبل.