عُمان الرقمية.. مستقبل يُصنع الآن

 

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

مع اقتراب انطلاق معرض كومكس العالمي للتكنولوجيا في مسقط (8- 11 سبتمبر 2025 بمركز عُمان للمؤتمرات والمعارض)، تزداد الحاجة للتأمل في مسار التحول الرقمي بالسلطنة: هل هو مجرد عرض للتقنيات، أم أنه طريق استراتيجي لتسهيل حياة المواطن وبناء اقتصاد معرفي يليق بعُمان 2040؟

نحن اليوم على موعد مع محطة وطنية مهمة؛ إذ إن كومكس 2025 لم يعد مجرد معرض للتقنيات؛ بل مناسبة تؤكد أن التحول الرقمي في عُمان ليس خيارًا تجميليًا؛ بل مسارًا استراتيجيًا لبناء اقتصاد متين قائم على المعرفة.

التحول الرقمي يبدأ من العقلية قبل التقنية. فلا فائدة من أحدث الأنظمة إذا ظلت تُدار بعقلية تقليدية. المطلوب اليوم عقلية مرنة، سريعة التعلم، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتؤمن أن الرقمنة وسيلة لرفع جودة حياة المواطن، لا مجرد شعار.

التجارب العالمية تعطينا دروسًا بليغة: إستونيا بنت حكومة رقمية متكاملة، وسنغافورة قادت اقتصادًا ذكيًا، وكوريا الجنوبية صنعت نهضة صناعية بالذكاء الاصطناعي. لكن عُمان ليست مطالبة بتقليد هذه النماذج؛ بل برسم طريقها الخاص الذي يستند إلى واقعها واحتياجاتها.

المقياس الحقيقي لأي مشروع رقمي هو أثره على المواطن. هل أصبحت الخدمات أسرع وأسهل؟ هل انخفضت التكاليف على الدولة والمجتمع؟ هل ارتفعت إنتاجية القطاعات الحيوية؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد قيمة التحول.

ولتحقيق ذلك، لا بُد من مغادرة الأساليب البيروقراطية الثقيلة، والانتقال إلى منهجيات رشيقة في إدارة المشاريع، تقوم على الإنجاز المرحلي، والتجريب المستمر، واتخاذ القرار وفق البيانات. بهذا النهج يمكننا أن نسرّع النتائج ونضمن أن يلمس المواطن ثمار التحول في حياته اليومية.

كما إن التحول الرقمي ليس مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها؛ بل هو أيضًا مجال رحب للشباب ورواد الأعمال؛ فالمستقبل لن يُبنى إلا بطاقة شبابنا وابتكارات الشركات الناشئة التي تقدم حلولًا جديدة وتفتح آفاقًا اقتصادية متنوعة. هؤلاء هم وقود التحول الحقيقي.

لقد وضعت السلطنة هدفًا طموحًا يتمثل في رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 10% من الناتج المحلي بحلول 2040، أي خمسة أضعاف ما كانت عليه في 2020. هدف كبير، لكنه واقعي إذا تضافرت السياسات المرنة مع روح الشباب والإصرار المؤسسي.

في النهاية، "عُمان كومكس 2025" ليس مجرد معرض يُقام كل عام؛ بل رسالة واضحة أن السلطنة ماضية لتكون لاعبًا فاعلًا في الاقتصاد الرقمي العالمي. المستقبل الذي نطمح إليه لن يُنتظر أن يأتي؛ بل يجب أن نُصنعه الآن، بعقلية مرنة، وبشراكة مجتمعية، وبقناعة أن القيمة تسبق الأداة. إنها دعوة لكل مواطن أن يكون جزءًا من هذا التحول من أجل عُمان أكثر إشراقًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة