حمد الصبحي
كانت البدايات الأولى؛ صناعة مستقبل جديد، حين انطلقت النهضة العُمانية في السبعينيات، أدركت الدولة أنَّ بناء الإنسان لا يعني فقط فتح أبواب المدارس والجامعات؛ بل يتطلب أيضًا تأسيس بنية تعليمية تُعنى بالجانب العملي والمهني. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء المعاهد المهنية والمدارس التجارية والزراعية، التي انتشرت في مناطق مختلفة من السلطنة، لتكون نواة لمستقبل جديد يربط بين التعليم وحاجات الاقتصاد الناشئ.
لم تكن هذه المعاهد تجربة عابرة؛ بل مشروعًا وطنيًا كبيرًا استُثمرت فيه الموارد، ووُفرت له الكفاءات، وتم قبول الطلبة ابتداءً من الصف التاسع وحتى الثانوية، ليخرجوا بمهارات عملية مباشرة في الكهرباء والميكانيكا والزراعة والتجارة، لقد كانت بحق ورشًا حقيقية لإعداد جيل يستطيع أن يتعامل مع مفردات التنمية الأولى، وأن يسدّ احتياجات سوق العمل في بلد بدأ يشق طريقه بثقة نحو التغيير.
وكان لهذه التجربة، دورها في تشكيل وعي مهني جديد، تحلم به البلاد في مجمل مناطقها، وكان لهذه المعاهد دور جوهري في خلق وعي مهني مبكر لدى المجتمع العُماني؛ إذ لم تكن مجرد فصول دراسية؛ بل بيئة متكاملة يتعلم فيها الطالب كيف يصنع بيديه، وكيف يحول المعرفة إلى ممارسة يومية، وكيف يكون جزءًا من اقتصاد وطني يتطلع إلى الاستقلالية والاعتماد على الذات.
لقد وفَّرت هذه المؤسسات التعليمية فرصة للطلبة الذين لا يرغبون في المسار الأكاديمي البحت، لكنها في الوقت نفسه لم تكن أقل شأنًا من التعليم الجامعي، بل كانت مكمّلة له. ومن خريجيها من أصبحوا قيادات إدارية وفنية عُليا، ومنهم من ساهم في مشاريع حيوية في البنية الأساسية، ومنهم من انتقل إلى وظائف حكومية ظل ينتظر فيها الترقيات السنوية.
لكن، وبحلول أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، بدأت هذه التجربة تتراجع شيئًا فشيئًا. أُغلقت أبواب المعاهد تباعًا، وكانت مفاجأة التراجع والانحسار، وغابت عن المشهد الذي كانت فيه ذات يوم حديث الناس ومحل فخر الأسر. ومع هذا الغياب برز سؤال محوري: لماذا أُغلقت هذه المعاهد بعد أن كانت بشائر نجاحها ظاهرة؟
تتعدد التفسيرات، وقد يكون السبب هو الميل المجتمعي المتزايد نحو التعليم الجامعي؛ باعتباره رمزًا للمكانة الاجتماعية، على حساب التعليم المهني، وربما يعود إلى غياب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تجعل من هذه المعاهد جزءًا ثابتًا من منظومة التنمية، وربما أيضًا إلى ضعف ثقافة المجتمع تجاه المهن الحرفية؛ حيث كان يُنظر إليها بدرجة أقل من التعليم الأكاديمي، رغم أن التجارب العالمية أثبتت أن الصناعات الكبرى بدأت من ورش صغيرة.
لكن السؤال؛ ماذا لو استمرت؟ لو قُدّر لهذه المعاهد أن تستمر وتتطور مع الزمن، لكان المشهد الاقتصادي والاجتماعي في عُمان مختلفًا تمامًا. كان من الممكن أن نرى اليوم مصانع وطنية في الكهرباء والميكانيكا والزراعة يديرها شباب عُمانيون تخرجوا في تلك المؤسسات. كان يمكن أن يكون لدينا جيل يقود شركات خاصة في التجارة والصناعة، جيل قادر على استيعاب مخرجات التعليم الأكاديمي في سوق محلي متنوع.
ولعل الأهم أن تلك المعاهد لو استمرت، لكانت ساهمت في تكريس ثقافة عمل جديدة في القطاع الخاص، قائمة على المساواة والمهنية، وفتحت أبوابًا أوسع لمشاركة المرأة العُمانية في المجالات التقنية والتجارية. كان يمكن أن نقلّص الاعتماد الكبير على الخبراء الأجانب وبيوت الاستشارات، ونبني خبرتنا الوطنية خطوة بخطوة.
وبالنظر إلى دروس الماضي ورهانات المستقبل، نجد أنفسنا اليوم، ونحن نعيش مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية، يصبح من الضروري إعادة النظر في تلك التجربة. فما خسرناه بإغلاق هذه المعاهد لم يكن مجرد مبانٍ أو مقاعد دراسية، بل كان خسارة لفكرة استراتيجية كان يمكن أن تُسهم في بناء قاعدة إنتاجية قوية للبلاد.
إن عُمان لا تزال بكرًا في كثير من قطاعاتها الاقتصادية، من الزراعة إلى الصناعات التحويلية، ومن الخدمات اللوجستية إلى الطاقة المتجددة. وهذه القطاعات تحتاج إلى كوادر مؤهلة ليست بالضرورة أكاديمية فقط؛ بل عملية ومهنية وتقنية، قادرة على تحويل المشاريع الصغيرة إلى صناعات متوسطة وكبيرة تدر أرباحًا على الاقتصاد الوطني.
من هنا، فإن إعادة الاعتبار للتعليم المهني لم تعد خيارًا ثانويًا؛ بل ضرورة حتمية. غير أن المطلوب اليوم ليس تكرار تجربة السبعينيات بحرفيتها، وإنما إعادة صياغتها بما يتناسب مع متطلبات العصر؛ معاهد حديثة تدمج بين التعليم المهني والتقنيات الرقمية، وتفتح آفاقًا للابتكار والبحث، وتجعل من الطالب ليس مجرد موظف محتمل؛ بل رائد أعمال قادر على خلق فرص العمل.
إن الاستثمار هنا في الفكرة لا في الماضي، والعودة إلى فكرة المعاهد المهنية ليست حنينًا إلى الماضي؛ بل هي استثمار في المستقبل. إنها محاولة لاستعادة جوهر النهضة الأولى، حين كانت البلاد تراهن على الإنسان العُماني بوصفه أساس التنمية. واليوم، ومع الحاجة الملحة لتنويع مصادر الدخل الوطني، وإيجاد حلول جذرية لمخرجات التعليم وسوق العمل، يصبح من الحكمة أن نعيد التفكير في تلك الدروس الأولى، بروح أكثر وعيًا، وبرؤية أشمل، تجعل من التعليم المهني ركيزة من ركائز التنمية المستدامة.
في النهاية، الأوطان لا تبنى فقط بالجامعات والشهادات، بل أيضًا بالمعاهد التي تصنع الأيدي الماهرة والعقول العملية، القادرة على تحويل الحلم إلى واقع، والنهضة إلى إنجاز ملموس. ولا ننسى أن "أحلامنا سُلّمنا نحو النجوم".