الجمعية نجحت في تغيير مسار العمل الخيري بالاتجاه نحو تمكين المُستحقين

"شغف العمل الإنساني" يضع "دار العطاء" في المقدمة

...
...
...
...
...
...
...

الرؤية - مدرين المكتومية

على مَدَى التاريخ والعمل الإنساني لصيقًا بتطوُّر البشرية، غير أنْ التطورات الحاصلة في دنيا البشر أسهمتْ بالتبعية في تغير أدوار وأساليب العمل الإنساني الخيري، وأخذ أشكالًا مغايرة، وهنا في سلطنة عُمان نجحتْ جمعية "دار العطاء" أن تُضفي تغييرًا جذريًّا على مسيرة العمل الخيري؛ من خلال ما ابتكرته من برامج وما وضعته من أهداف طموحة، استهدفتْ من خلالها أن تُساعد المُستحقين على تمكينهم، سيرًا على قاعدة "لا تعطني سمكة.. ولكن علمني الصيد".

والكتابة عن العمل الخيري، وتحديدًا عن دار العطاء، يمثل تجربة استثنائية في العمل الصحفي، فهنا لا أحاور مسؤولًا، لأحصل منه على إجابات تهم المواطن، ولا ألتقي خبيرًا ليستشرف للقارئ المستقبل، بل أكتب من أجل تلمس العطاء، أكتب بهدف الإمساك بتلابيب الخير التي ترسلها القلوب قبل الأيادي.

وعندما قررت الكتابة، لم أكتفِ بما هو متاح من معلومات هنا وهناك، بل ذهبت مباشرة إلى مقر الجمعية، ومنذ أن وطأت قدامي قسم الاستقبال رأيت -في غضون 7 دقائق فقط- أكثر من 5 حالات يقدمون طلباتهم، منهم من سُرِّح عن عمله والبنوك تطالبه بمبلغ القرض الشخصي، وآخر لا يعمل ويعول أبناء ويعاني من الديون وهو عرضة للسجن إن لم يُسدد المديونيات المتراكمة عليه، وأخرى تنتظر دورها لمساعدتها على نوائب الدهر... كل ذلك قد نراه أمرًا عاديًّا في مكان كهذا، لكن غير العادي أن ترى الناس يحملون الأمل في نفوسهم، والنظرة الواثقة بأن القائمين على دار العطاء سيقدمون لهم الحل لمشكلاتهم.

انتابني شعور غريب في تلك اللحظة، وتفكير عميق في العدد الذي يزور دار العطاء يوميًّا، والنظر في كل هذه الحالات بعين الإنسانية والحاجة، والتحقق أيضا من البعض الآخر، لأكتشف فعلا وأثناء تجوالي في الأقسام الإدارية أنَّ العمل بالنسبة لهم عملٌ قائم على المحبة، وكل من يعملون في جمعية الدار العطاء يمتلكون من المشاعر الإيجابية ما يجعلهم قادرين على استيعاب ودراسة عدد كبير من الحالات؛ فخلال شهر واحد قد يصل عدد الحالات التي يتم استلام طلباتها لما يقارب الـ300 حالة.

طُفت في هذا المبنى المُفعم بالحب والعطاء والسخاء، الزاخر بالقيم الإسلامية والمبادى الدينية، عندما ترى الجميع منهمكا ومنشغلا تعلم أنَّ كلَّ من يعمل في هذه الجمعية يحمل في نفسه مسؤولية عميقة ويقدم رسالة مفادها أنَّ الإنسانية لا تحتاج لوظيفة لتبرهن عليها، وإنما كل ما تحتاج إليه هو الإيمان التام بأنَّ الحياة فيها الكثير من الأسرار التي لا يمكن أن يكتشفها المرء بنفسه، وهناك من القصص ما يقشعر لها الأبدان.

 

حالات إنسانية

وبالسير بين أروقة المبنى وجنباته، استوقفني قسم دراسة الحالات، ومن هنا كل حكاية تبدأ لتجر معها قصة أخرى، وكل قصة تنتهي ليبدأ معها مشروع حكاية أخرى، والعملية لا تتوقف؛ فعندما سألت عن الحالات، أخبروني عن قصة امرأة تعاني من مشكلة صحية، الأمر الذي قادها لرهن منزلها الذي كان المأوى الوحيد لها ولزوجها الذي هو في الأساس منزل ضمان اجتماعي، وبناتها الثلاثة اللاتي لم ينهين دراستهن؛ مما جعلها تقع تحت ضغط كبير دفع الجمعية لمساعدتها لدفع ما عليها، خشية أن تفقد المأوى الذي يضمها وأسرتها.

هناك أيضا قصة الفتاة رائدة الأعمال الصغيرة، التي تبلغ 25 عامًا، لكنها تواجه قضايا مالية وأمر سجن، وبعد التحقق من حالاتها اتضح أن الفتاة بعد فقدان عملها أصيبت بحالة من الاكتئاب مما دعاها لزيارة المستشفى وتلقي العلاج النفسي؛ إذ استطاعت الجمعية التدخل لسداد ما عليها.

 

سداد ديون

ليس هذا فقط فمن بين الحالات التي تفاعلت معها الجمعية، رجل تعرض لإصابة عمل تسببت في إعاقة، مما دعاه لترك وظيفته، والعمل بالأجر اليومي ليجني قوت يومه، حتى شعر أنه لم يعد قادرًا على المواصلة في ظل إعاقته، بينما عليه مطالبات مالية بقيمة 13 ألف ريال، ونظرًا لوضعه الصحي تدخلت الجمعية واستطاعت أن تفك كربه لينجو من خطر السجن.

ومن بين القصص الأخرى، ذلك الرجل المصاب بفشل كلوي، وزوجته المصابة بمرض السرطان، وفي ذات الوقت وأثناء بناء منزل أحلامهما، جاء إعصار "شاهين" ليُنهي ذلك الحلم، لكن الجمعية ساعدتهم. امرأة أخرى سُجن زوجها، وهي أيضا معرضة للسجن مع تراكم الديون، بينما هي ترعى أسرتها وأمها التي تعيش على جهاز تنفس صناعي، فتقدمت للجمعية بطلب مساعدتها، ولم تخذلها دار العطاء.

آخر القصص المؤثرة كانت لامرأة تعيش حياة مستقرة مع أبناء معاقين، وزوج، على الرغم من حالته المادية الجيدة، إلّا أنه كان يقذفها بكلماته ويعنفها جسديًّا ويعاملها معامله سيئة، حتى وصل به الأمر إلى أن طلقها، مما اضطرها للبحث عن منزل لتعيش فيه هي وأبناؤها المعاقون، وكانت في كل مرة تسكن في شقة سكنية مؤقتًا دون عقد لتنتقل إلى أخرى، فتدخلت جمعية دار العطاء لحل مشكلتها، ومساعدتها في الحصول على مسكن ملائم ودائم لها ولأطفالها المعاقين.

عشرات الحالات اليومية التي تتوافد على دار العطاء، طلبًا للمساعدة، وأملًا في أن تجد طوق النجاة.. فيجدون من يستقبلهم ببشاشة وجه وكرم ضيافة، وعطاء بلا حدود.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z