انكشافات حضارية

 

سالم بن مسلم الدوسري المهري

salimdosari@gmail.com

 

لا يُمكننا الاستمرار في تجاهل حقيقة أنَّ المجتمع العربي يتعرَّض لانكشافات حضارية ولم يعُد قادرًا على مسايرة التقدم العِلمي السريع، وخاصة التكنولوجي، ولا تزال الغالبية العظمى منهم تؤمن بأن الشعب العربي متأخر ومتخلف عن مجاراة الغرب في ذلك الاتجاه، بينما هناك فئة تحاول إقناع نفسها أن أغلب هذه الثورات العِلمية تم تصميمها عبثًا لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والتدمير للقيم الأخلاقية الدينية للمجتمع العربي وعلى الدين الإسلامي كعقيدة.

لا يمكن لهذه الفئة إقناعنا بأنَّ كل تلك الحملات تقودها مراكز إستراتيجية بحثية تعمل بشكل خفي للتآمر على الشعوب العربية الآمنة أو أنظمتها المستقرة سياسياً نسبياً.

العرب لا يشكلون توازن ثقل مؤثر في صنع المبادرة الكونية وخاصة في مجال الابتكار العلمي، ولا يمكننا إغفال حقيقة أن للعرب والمسلمين إسهامات لا يمكن تهميشها عبر أي مرحلة تاريخية، نحن نتوهم أننا نتعرض لحملات مركّزة على أفكار أجيالنا التي هي أساساً مضطربة بالتالي هي متمردة من حيث التركيبة الذهنية على مجتمعاتها نتيجة تراكم المؤثرات بشكل عفوي يعجز الجيل الأقدم استيعابها وفهمها.

وإذا افترضنا أن الإنسان العربي بشكل خاص يمتلك كمية تراكمية من القيم المجتمعية التي تجعله مُحصنا ضد ما نتوهم أنها هجمات منظمة من أطراف خارجية إلا أن الذي يحصل لا يعدو إلا أن تكون أزمة حادة يتعرض لها البعض لكنه يحاول التخفيف من حدة تأثيرها بينما يجد هو نفسه منجرفا إليها مع جعل عقدة الإنكار مفعّلة طوال الوقت.

النهضة العلمية غدت متاحة للجميع عبر كل وسائل التواصل وأسهلها عبر الهواتف الشخصية دون عناء البحث، ولن يكون مُخجلا أن نصفها بالمؤلمة، إن التحول الثقافي بل والحضاري الذي يطرأ على أفكار أبنائنا بمعدل الدقيقة وما يُتاح لهم عبر منصات إعلامية أغلبها تم اختراعها ومن ثم تفعيلها من قبل مخترعيها لأغراض كسب المال وبدافع الإنجاز الشخصي.

كل ذلك لم ولا ولن يتحقق إلا بعد بذل جهد متفانٍ وعمل مضنٍ وهذه مناطق سوداوية لدى الفِكر العربي الحديث الذي يُركز ويمحور أغلب مخرجاته العلمية على استباب المحاور الأمنية الداخلية ومكافحة ما ورثته الأمة من آفات فِكرية التصقت بالتفسير الخاطئ بصورة كارثية بالدين ولا تزال الأمة تحاول إيجاد محطة للوعي لتجد تفسيرا منطقيا نقدمه للعالم، لماذا نحن هنا ولماذا لا نزال نقبع في غياهب التخلف العِلمي مع حرصنا على التغني بأن الآخر لا يملك القٌيم ولا الأدوات التي يمكن أن تؤهله ليكون جزءًا من الدين وأن ما ينجزه الآخر ليس إلا منتجات مادية لن تنفعهم يوم الحساب.

خلاصة القول.. لم يعُد بالإمكان السيطرة على التدفق المكثف لهذه الثورة الفكرية ومنعها من التأثير الطاغي على صناعة تحولات فكرية وخلق رأي عام متنامٍ لدى أجيال أصبحت أكثر وعياً لما يدور حولها، مع ذلك لا يمكننا نكران أن كل ذلك قد أحدث ولايزال يحدث شرخاً تزداد معه هوة مساحة الوعي بين أجيالنا بمعدل الدقيقة ولايزال الطرف المتفوق يستمر في فرض معادلة الأخلاق أو العدالة الكبرى (عدالة القوي) أما حكماء المجتمعات الأكثر بؤساً فمستمرون في مخاطبة الوعي الأسفل للأفراد لجعلهم خاضعين لنهج السلف.

هنا مركز الزاوية الضيقة التي أعتقد أنه بإمكان الحكومات التي تتكون شعوبها من التركيبات القبلية ذات الأجزء المتراكمة أن تخلق أجيالا تؤمن بقيمها متقبلة وقادرة على استيعاب الحداثة الرقمية والواقع المضطرب المُربك بين الممارسة والنكران،لابد من تفعيل هذا الخزان البشري الواعي الذي أصبح أكثر وعياً بوجوده ليحمل رسالة هادفة لخدمة وطنه ومجتمعه، وتكون فكرة تبني إقامة مجالس مجتمعية خارج المفهوم التقليدي الحالي المتناثر، إعطاء الأجيال التقدمية فُرصا لإدارة المستقبليات وتقديم رؤى لما يجب أن تكون عليه مجتمعاتهم خلال 10 سنوات (كمثال).

الواقع يقول إنه ما زالت هناك فئة عاجزة لكنها تخشى من دخول منطقة التهميش لكنها تحاول عبثاً تعزيز الإدراك السمعي نتيجة عدم القدرة على تحليل المعطيات، أما الأجيال المدركة لواقعها فينبغي أن تكون جزءًا أصيلا من عملية صناعة الوعي ولابد أن يُسمح لها بالحصول واستخدام الأدوات لترسم آليات الحراك الفِكري والسياسي للأوطان، من هناك يمكننا تقديم فضاءات مشرقة نقدمه للعالم بغطاء قيمي ديني من نسيج واقعنا الأصيل ونُعده نموذجاً مهذباً لحراك فِكري بنفس قبلي مجتمعي مستندا إلى موروث تراكمي لقيم مجتمعية تقليدية يمكن أن تكون "أصيلة".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة