الإبهار

محمد بن سالم البطاشي

من كان يظن أنَّ زمن المعجزات قد ولى فليُراجع قناعاته على ضوء الدلائل الدامغة على أرض الواقع؛ حيث إنِّه "وما استعصى على قوم منال // إذا الإقدام كان لهم ركابا".

وها هي دولة قطر الشقيقة تقهر المستحيل وتدهش العالم أجمع بصنيعها، وهي تنظم نسخة فريدة متلألئة للمونديال ما سبقهم بها أحد من قبل على مستوى الجودة والإتقان والسلاسة والابتكار والجاهزية، وذلك خلال فترة وجيزة، منذ أن ظفرت بشرف إقامة مباريات كأس العالم في عام 2010 بعد منافسة شرسة مع دول راسخة الأقدام ومتعددة المشاركات الرياضية، وفاعلة على مستوى البطولات الدولية.

لقد واجهت قطر صعوبات كثيرة قبل تقديم ملفها لاستضافة المونديال، لكن الملف القطري أبهر أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا الذين اجتمعوا في مقر الفيفا في مدينة زيورخ وصوتوا لصالح قطر، وبعدها دقت ساعة الانطلاق وكان الطريق طويلا والمهمة شاقة على كل الأصعدة الإجرائية والتخطيطية واللوجستية والتنفيذية، لكن العزم والإرادة والتصميم وإيمان القيادة بأهمية الحدث وبالمزايا العديدة التي ينطوي عليها ذلل تلك الصعاب والمحبطات، وانطلق العمل الجاد المدروس والدقيق بعزم يفل الحديد ويهد الجبال، وتم تسخير كل إمكانيات الدولة في خدمة هذا الحدث الكبير، واستمر العمل ليل نهار بهمة وإصرار، وباتقان يقترب من الكمال، حتى أتمت الصروح وأرسيت البنى التحتية وتكاملت الخدمات الأساسية والمساندة، ثم بدأ أو تزامن مع كل ذلك تنفيذ مرحلة موازية من التخطيط العلمي الواعي المتقن بهدف التعرف على مجالات الاستفادة القصوى من هذا الحدث الدولي الفريد ومنحه بريقا إضافيا وقيمة مضاعفة على المستوى الحضاري الشامل، عن طريق التعريف بحضارة هذه الأمة المتمثلة في دينها وسماحته وسموه، وثقافتها الواسعة والمتنوعة الضاربة في أعماق التاريخ، وأخلاق أهلها السخية، وتراثها وتقاليدها العريقة، ودورها الحضاري العظيم على مر العصور، وطمس وتحييد كل ما علق بأذهان البعض من صور نمطية مغلوطة وأفكار مسبقة عن هذه المنطقة وسكانها، تكفلت بنشرها منظمات وهيئات تحركها أهداف عنصرية وسياسية وثقافية خبيثة، واستخدمت قطر لهذا الغرض وسائل مقنعة ناعمة راقية وذكية تنساب برفق إلى قلب وفكر المتلقي من حيث يدري ولا يدري، وتدفعه إلى تغيير نظرته السابقة بمحض إرادته وباقتناع كامل، ويغادر منطقة العتمة إلى حيث النور واليقين.

الإبهار هو السمة المميزة لما قدمته دولة قطر، وهو شعور يتساوى فيه كل من تشرف بزيارتها أو اكتفى بمشاهدة ذلك عبر شاشات التلفاز، وقد قرأنا وسمعنا شهادات الإشادة والإعجاب بما لمسه ورآه الصحفيون وكبار المسؤولين الدوليين من دقة التنظيم وسلاسة التعامل وضبط محكم لإجراءات الأمن والسلامة، واستعدادات ضخمة على كل المستويات، وتكامل في الخدمات بجودة عالية، وتصميمات مبتكرة للملاعب مع كل تلك التجهيزات والتسهيلات الملحقة بها. وإذا كانت المنشآت والمرافق والبنى التحتية التي أنجزتها قطر بأعلى المواصفات العالمية أمر يستحق الإشادة ويثير الإعجاب وحازت به قصب السبق العالمي، فإن تقديم الوجه الحضاري للأمة الإسلامية وسمو كعب تعاليمها وسماحة هذا الدين الحنيف إلى زوار المونديال وبطرق متعددة ومبتكرة ونقل ذلك عبر البث المباشر لكافة أصقاع العالم لهو أمر يتفوق بمراحل على المنجزات المحسوسة، فتلك هي القوة الناعمة لأي أمة وحضارة.

لم يكن مونديال قطر 2022 حلبة للتنافس الرياضي وحسب؛ بل أصبح ميدانًا لحوار الحضارات وربما صراعها، فقد برزت جهات تستميت في تقديم أفكارها وتوجهاتها وقناعاتها حتى لو تصادمت مع الفطرة السوية والذوق السليم، وحاولت فرضها بأساليب فجَّة وتحت مسميات وشعارات براقة خادعة، ظاهرها الحرية والحداثة والمدنية وباطنها الانحطاط إلى أسفل الدرك البهيمي، دون مراعاة للتنوع الثقافي والديني للأمم الأخرى، وهذه الجهات تساندها أدوات دولية عظمى عملت على تسخير كل إمكانياتها المالية والإعلامية والدبلوماسية الهائلة لخدمة أهداف خبيثة، لكن دولة قطر كانت لهم بالمرصاد وقد أعدت العدة لذلك فكانت من الذكاء والفطنة في التعامل مع هذه الظواهر بحيث استطاعت سحب البساط من تحت أقدامها ونسفت كل جهودها وأبقتها مكشوفة في العراء بكل سوءاتها.

بعد المونديال ستفعل قطر ما لم يستطع السابقون فعله؛ حيث ستتكفل بتفكيك ونقل العديد من الملاعب والمنشآت الرياضية الأخرى إلى دول مُختلفة، تفتقر إلى مثلها هدية مجانية خالصة لوجه الله، بما يُحقق عموم الفائدة والمشاركة في المغانم، وهو ما يضع الدولة المستضيفة للمونديال القادم عام 2026 على المحك أمام العالم أجمع.

إنَّ كلمات الشكر تنفذ وتتقزم أمام عظمة ما قدمته دولة قطر قيادة وشعبا من خدمات جليلة للبشرية جمعاء، سيتذكرها العالم أجمع ويسجلها التاريخ بأحرف من نور، فقد كفيتم ووفيتم أيها الأشقاء، وأحرجتم من سيأتي بعدكم، حين يستذكر التاريخ ما قدمتموه من أفكار وخدمات وابتكارات وهدايا على الصعيدين المادي والمعنوي.      

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة