الإثنين, 19 أغسطس 2019
38 °c

مقال : حين تتحوَّل "الكُرَة" إلى أداة "كُرْه"

السبت 02 فبراير 2019 08:04 م بتوقيت مسقط

 

مسعود الحمداني

ما يَحْدُث بين شعوب الخليج أمرٌ لا يُصدَّق، ولا يقبله عقلٌ ولا منطق، تحوَّلت هذه الشعوب المسالِمة إلى كُرةٍ مشتعلةٍ من حقدٍ وكراهيةٍ وفتن، وتغيَّرت بوصلتها الودودة -بين ليلة وضحاها- إلى خانةٍ لا يُمكن تفسيرها، لغة تتباهى بالحِقد، وتكرِّس للطائفية والشعوبية الغبية، في ظل تراجعٍ للغة التصالح والتسامح التي لا نكاد نراها.

وقامتْ بعض الدول بتفعيل "شرائع حمورابية" محرِّضة على البغضاء، والفحش في الخُصُومة، وجرَّمت حتى التعاطف مع الشعب القطري شقيق الأمس، خصم اليوم، وتمادتْ الشعوب في سبِّ وشتمِ بعضِها تحت سمع وبصر أولياء الأمور، ولم تَشْفع الكُرة في فصل روح الرياضة عن جَسَد السياسة، بل أغرزتْ نِصَالها فيما تبقَّى من عُرَى ووشائج وحِبَال وصلٍ فقطعتها إرْبًا، وتحوَّل كأس آسيا إلى ملعب للتنابز وإظهار تصرفات الجاهلية، وأرجعتهم أخلاقيا مئات السنين إلى الوراء؛ حيث كانت حروب القبائل، وخصومات الفجَّار، رغم أنها حملتْ شعارَ "دورة التسامح" غير أنَّ التسامح لم يكن له مقعد فيها، ونام دون فِراش خارج الملعب، ووقفت الجماهير موقفا غير ودود من بعضها، وتطاولت حتى على السَّلام الوطني لأشقائها، وظهر عداء غير مسبوق في نفوس الكثيرين تجاه إخوتهم، ودخل مُقدِّمو البرامج الدينية، ومعلِّقو البرامج الرياضية، والإعلاميون في معارك كلامية خادشة للحياء العام، ومقزِّزة، ومنفِّرة، لم يسلم منها صديقٌ أو قريب، وتمادَى الجهلة في سبِّ الكبير والصغير، وتحقير الآخرين، في ظل صمتٍ رسميٍّ حكوميٍّ واضح، وغير عابِئ بما يحصل، بل ويُشجِّع لغة القذف والازدراء التي ينطق بها هؤلاء المرتزقة، والعوام الذين وجدوا أنفسهم في فضاء كوني يطلقون منه نباحهم، ويتطاولون معه في بنيان كراهيتهم.

لقد أضحتْ الأزمة الخليجية فاحِشة، وفاضِحة، ولا يمكن بحال التغاضي عن تبعاتها، وبات البعض يحدِّد الصديق من العدو من موقفه من الأزمة، ولم نسلم منه نحن العُمانيين رغم محاولة الحياد، والنأي بالنفس، ولكن البعض فسَّر هذا الموقف بالانحياز لطرف دون طرف، وحتى حين هبَّت بعض الجماهير العمانية لمساندة منتخب قطر أنكر عليهم الطرف الآخر ذلك، بل ولبست بعض الجماهير الخليجية ملابس اليابانيين الغرباء لتشجيع فريقهم ضد الأشقاء إمعانا في الحقد والعزلة، ووقعوا فيما استنكروه من غيرهم، وحين زلَّ لسان المعلّق العُماني بجُملة غير مقصودة في حقِّ المنتخب الإماراتي قامت الدنيا ولم تقعد هناك، وأشبعُوه إهانات وردحًا ذكَّرنِي بالأفلام العربية القديمة، وتصدَّى مقدم برامج دينية لا يملك إلا لسان فِتنة بذيئة مُنتِنة ليضرب بكلِّ دعوات السلام والتسامح عرض الحائط، ليظهر أنه ملكيٌّ أكثر من الملك، ولا أدري ما دخل برنامج ديني في الكرة؟! ودخل مقدِّم برامج رياضية على الخط ليدلي بدلوه بصورة تعكس ما وصل إليه الإعلام الخليجي من تدنٍّ وعمَى، وخرج بعض الجهلة ليتحدثوا بلغة سوقية مادية بغيضة، تدل على أن عقولهم مُتخمة بالعفن، وأنهم لا يجيدون إلا لغة المال الرخيصة.. الغريب في الأمر أنَّ هؤلاء "الإعلاميين" يبدأون برامجهم بجملة عظيمة تقول في ما معناها: "نحن في مِنبر إعلامي، وأخلاقنا لا تسمح لنا بالنزول لمستوى فلان.. وتعلَّمنا من آبائنا وشيوخنا مكارم الأخلاق.."، وبعد أن ينتهوا من هذه الديباجة يبدأون في السبِّ بأقذر العبارات التي لا يقبلها مقصُّ رقيب، ولا تَمُت لما قالوه في البداية بأي صلة!! وهذا يدل على انفصام شخصية واضح، يعيشه مثل هؤلاء الإعلاميين.

إنَّ لغة الكراهية التي انتشرت هذه الفترة في طول الخليج وعرضه تحتاج من ولاة الأمر في دول مجلس "التعاون" وقفة حكيمة، وإلا فإنَّ منظومة الأخلاق الخليجية ستنهَار إلى الدَّرك الأسفل، ولن ينجو منها أحد؛ فالسياسة ومشكلاتها يجب أن تنأى بالشعوب عن غمارتها، وسَكراتها؛ فهذا العَفن الفكري والشتات الاجتماعي الحاصل حاليا بابٌ لا يُمكن سدُّه بسهولة، وسوف يحرق الأخضر واليابس، وسيحمل حكَّام اليوم تبعات هذه الفتنة الاجتماعية إلى يوم يُبعثون، وأنا مُتأكد أن الشعوب الخليجية لا تعلم سببَ هذا الخلاف السياسي البحت، لكنها مُنقَادة عبر إعلامٍ مسيَّس غير نزيه، وغير واعٍ، يلبِّي احتياجات الحكام الذين يملكون وحدهم سرَّ هذا الخلاف وهذا التصعيد، ويحتفظون في مَنادِيسهم الشخصية بكامل تفاصيله ودهاليزه، وهم وحدهم من يملك مفاتيح الحلِّ وأقفال الغلق.

لقد أضحكتم العالم علينا أيُّها الأشقاء الخليجيون، ضحكوا علينا بهستِيرية وشَمَاتة، قهقهوا حتى الثمالة -عبر شاشات التلفازـ وهم يرون إلى أيِّ دركٍ من الجاهلية وصلت بنا الحال.

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية

علّق Dr Hammouda في 11:49 - 12 فبراير, 2019

أصبت، وأحسنت