الخميس, 23 مايو 2019
32 °c

وفي الكاكاوية أشياءٌ وأشياء

الثلاثاء 08 يناير 2019 10:18 ص بتوقيت مسقط

وفي الكاكاوية أشياءٌ وأشياء


سكينة صادق | ليبيا
وكأن الأكل هو المحرك لكل أفكاري، ربما لأن شقشقة عصافير بطني تجعل من زهرات أفكاري اتفاقاً.. ربما!.. وربما ذلك الجوع يُفقد الجسم اتزانه، فتراه في فوضى عارمة... عموماً اليوم كنتُ جالسة في مطبخي الصغير، أنظر لحبات (الكاكاوية)  وأفكر في سرِّ انجذابي لها، ولماذا في لحضات ينكسر كل جبروتي، ولا يبقى في عقلي إلا تلك الحبات الصغيرة، وكيفية الوصول إليها، ولأقطع تلك التساؤلات الفوضوية؛ تناولت (تلفوني) لأتصفح (الفيسبوك) كعادتي، وإذا بي أجد مقال بعنوان (كيف انتشل الكاكاوية من قعر فنجان)، ابتسمت لهذه الصدفة اللذيذة، ودفعني الفضول لمعرفة فحوى النص وسبر اغواره، لعلها تنتشلني من فوضى التساؤلات التي تعجُّ داخلى جرَّاء جاذبية الكاكاوية، ثم استرسلت في القراءة.. وكعادة عبدالرحمن جماعة في الكتابة، وهي أن يرمي بحجر ليصيب عشرة عصافير، ولكن الذي شدَّني في المقال؛ هو إعادة قراءته مرات ومرات، وفي كل مرة يُولد تاويلٌ جديد يلفت نظري لرمية حجر جديد، ومن هذه المرامي هو ذكاء الكاتب وابتداعه طريقة النشر قبل النشر، أسلوب يعتمد على إشعال قبسٍ في المتلقي لانتظار الكتاب الجديد وانتشاله من قعر المكتبات ساعة اصداره، وقد كان يسلط عليه المصباح بأن يشعل ويطفئ حول مضمون الكتاب التي أعطت انطباعاً سياسياً، يتحدث فيه عن أساليب الحكم وتطورها .. لا أجزم بما أقول، ولكن الميتاسرد أوشت لي بذلك .
وبما أوحت الكاكاوية للكاتب ..لقد كانت الطريقة الأولى (البدائية)  في انتشال الكاكاوية المعتمدة على (تبريد الوجه) هي المتمثلة في القمع الصريح للشعوب (الدكتاتورية)، مما يولد تمرد صريح وثورة على أنظمة الحكم كما وصفها عبدالرحمن جماعة "حبات بقعر الفنجان رافضة الخروج وكأنها أدركت بأن مصيرها الالتهام" وهذا يعني أن رفض وتمرد صريح  ينتج عنه قمع ومحق صريح.. ولكن القمع لا يزيد الرفض إلا تأججاً، مما يعجل بنهاية الدكتاتور وهذا ما أثبته التاريخ .. ولكن التاريخ لم يخلو من أمثال معاوية وشعرته وميلاد القمع المهذب الذي غير اسمه وطرقه فلم يعد يدعى (دكتاتورية) بل صار (ديمقراطية)   وهذه هي الطريقة الثانية في انتشال حبات الكاكاوية من قعر الفنجان وهي "أن تترك آخر رشفة من الشاى لتستخدمها في خلق دوامة داخل الفنجان ، ثم تدلق ما في الفنجان في فمك، فتخرج كل محتوياته دون عناء" وهذه هي طريقة افتعال الفوضى وعدم استقرار الأفراد، هذه الفوضى التى أسماها البعض بـ(الخلاقة) فهي تخلق الفرص والأزمات والمشاكل والحلول والكثير الكثير. باختصار كيف يمكنك المحافظة على مئة فأر في كيس؟
بعد كل هذه القراءة عرفت لماذا استخدم الكاتب الفعل (انتشل)؟ لأن لهذا الفعل دلالتين؛ دلالة لغوية هي إخراج المأزوم من أزمته والثانية جاءت من استعمالها الاصطلاحي (نشل) أي السطو والسرقة .
ثم رمى بحجره في بركة الساسة الآسنة، التي شبهها بأحداث رواية (برهان العسل)، والتي ذكرتني بفيلم (الراقصة والسياسي) في حوار بين الراقصة والسياسي، حين قالت له "مفيش فرق بين الرقاصة والسياسي، هي بتهز وسطها وبتلعب بالعواطف، وهو بيهز لسانه؛ وبيلعب بالعقول، وكل ده من أجل الفلوس.. بس الفرق بينهم أنه هي لما بتطلع بالتلفزيون بسفقولها، وهو لما يطلع يقفلوا التلفزيون" يعني برغم دواماتهم المقنعة وطرقهم المخملية للانتشال إلا أنهم منزوعي الإنسانية لا يصلون للقلوب، وما يدفعهم للاستمرار و(التكبيش) هو (برادة الوجه)!.
***
 كيف تنتشل الكاكوية من قعر الفنجان؟
الكاتب: عبد الرحمن بن جماعة
آخر مرة فكرت فيها أن أؤلف كتاباً كانت قبل سنتين، وتحديداً حينما قرأت كتاباً لأحد السياسيين.
هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية للكاتب المرموق، وإنما سيرة لكل رفقاء دربه الذين كانوا معه في نفس (الجنة) - حسب وصفه السابق-، أو في نفس الجحيم (حسب وصفه اللاحق).
أو ربما هو سيرته الذاتية بمفهوم المخالفة، أي إظهار السيرة السيئة لخصومه ليتوهم القارئ أن الكاتب خلاف ذلك.. وهي خطة كادت أن تُوصف بالذكاء لولا وجود (اليوتيوب)!.
..
ذلك الكاتب (العظرطي) لم يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا وأحصاها على هؤلاء الرفاق الذين لم يكن لهم ذنب إلا مرافقتهم له.
قبل أن أقرأ هذا الكتاب كنت على حافة أن أتورط في تأليف كتابي الأول، والذي اخترت له عنواناً براقاً وهو "كيف تنتشل الكاكوية من قعر الفنجان؟"
وهو بلا أدنى شك كتاب قيم لم يسبقني أحد إلى تأليفه، وسبب اختياري لهذا الموضوع هو أنني تورطت عدة مرات - وأنا ضيف - إلى مواقف محرجة مع الكاكاوية، حين تشبثت بضع حبات بقعر الفنجان رافضة الخروج وكأنها أدركت بأن مصيرها الالتهام.
حينما قرأت كتاب صاحبنا تمنيت أن أمتلك نفس درجة برودة وجهه، وذلك لسببين:
السبب الأول: لكي أتمكن من انتشال حبات الكاكاوية بإصبعي كما كنت أفعل دائماً حين أخلو بفنجاني.
السبب الثاني: لكي أمضي قُدماً في تأليف كتابي، والذي أبتغي من وراء تأليفه النفع لكل من يقرأه.
كان هذا قبل أن أكتشف الطريقة المثلى لتخليص الكاكوية من قعر الفنجان، وهي أن تترك آخر رشفة من الشاي لتستخدمها في خلق دوامة داخل الفنجان، ثم تدلق ما في الفنجان في فمك، فتخرج كل محتوياته دون عناد.. وهذه الدوامة هي بالضبط ما يسميه البعض: "الفوضى الخلاقة"!
وهنا تحديداً لم أعد بحاجة لانخفاض درجة حرارة وجهي لكي أتعامل مع الكاكوية، لكنني لا زلت بحاجة لأن أدفن وجهي في (انتاركتيكا) لليلة كاملة حتى أتمكن من تأليف كتابٍ في مستوى كتاب صاحبنا.
صاحبنا هذا سياسي، ومتكلم بارع، لكنه غفل عن أهم مبدأ من مبادئ السياسة، وهو أن لا تخلط بين المواقف السياسية، وبين المبادئ.
كما غفل عن نقطة مهمة في العمل السياسي، وهي أن تؤجل كتابة مذكراتك إلى ما بعد اعتزال السياسة.
الفائدة الوحيدة التي خرجت بها من قراءتي لهذا الكتاب؛ هي أنني صرت أكثر جرأة على تأليف كتاب لا يقل تفاهة عن كتاب صاحبنا، وأن تأليف كتاب بهذا المستوى من العُهر لا يتطلب مهارة كبيرة في الكتابة، بقدر ما يتطلب مهارة فائقة في (صحة الوجه)!.
وعلى ذكر العهر..
فإن مقارنة بسيطة بين مذكرات السياسيين العرب، وبين رواية "برهان العسل" السيرة الذاتية للروائية السورية (سلوى النعيمي)، تبين لنا بأن سلوى لم تدَّعِ الشرف أو العفة أو النزاهة، خلافاً للسياسيين الذين لا يكاد يخلو سطر من سطور مذكراتهم من من كل ذلك، ولولا علمهم بأن الناس ظاهرون على حقيقتهم؛ لقالوا لنا بأنهم أنبياء معصومون!.
كما أن الكاتبة لم تلجأ إلى خلق دوامة لتُخفي وراءها قُبح فِعالها.. كما أفعل أنا مع الكاكوية!.
...............
- الكاكوية = الفول السوداني.
- عظرطي = مفنقل.

 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية