الأحد, 16 ديسمبر 2018

لمحات اصطفائية للإنسان "علمه البيان"(2)

الخميس 06 ديسمبر 2018 09:01 ص بتوقيت مسقط

لمحات اصطفائية للإنسان "علمه البيان"(2)


محمد عبد العظيم العجمي | مصر

ونعيد طرح التساؤل .. هل لو ترك الإنسان في بيئة تخلو من البشر، هل يستطيع أن يتكلم أو يبتكر اللغة التي يعبر بها كما يرى ويسمع ويشعر؟ أم لا بد له من جمع يخالطهم يكتسب بالاختلاط معهم توالد صفة الكلام؟ أي تتفاعل من خلال التواصل البشري فيما بينهم ملكة الكلام ؛ وكيف نربط الفهم بين ما إذا كانت صفة البيان مكتسبة ، وبين قول القرآن "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ "، فالمفهوم من معنى الآية أن الإنسان عُلم البيان من قبل الرحمن ، فهل يعني ذلك أنه علم مكتسب ، أم علم فطري؟
لا يشترط من معنى "علمه" أن يكون العلم بعد الخلق مباشرة، أو أن يكون ألهم ما ينطق به من غير جهد، إنما يمكن أن يأخذ التعلم صفة المرحلية ، أي التحقق مع مرور الزمن والتعايش والتلاحم بين أفراد البشر الأوائل، فلقد رأينا أن (آدم) قد ألهم البيان حين الخلق وقد ركبت فيه آلته التي ينطق بها ، أما اللغات التي وصلت إلى الحد الذي نراه الآن فلم يقطع بها علم أو بحث على سبيل (الجزم) إلى الآن ، وقد رأينا جل الاجتهادات في ذلك ضرب من التخمين أو الضرب في المجهول الذي لا يوصل إلى حقيقة علمية قاطعة؛ ولكن من حقائق القرآن التي استعرضناها فإن الأمر لم يكن من الصعوبة بمكان ، فإذا كان آدم قد ألهم البيان وآلة الكلام فليس من العسير بعد ذلك اشتقاق اللغة أو اختراعها من الحروف والأصوات بين ذريته الذين تناسلوا من بعده، مع التواضع على اصطلاحات وألفاظ للتعامل والتعايش حتى تصل بنا إلى حد البيان الفصيح الذي نتكلم به الآن ، كما ذكر بن جني في كتاب (الخصائص) : "أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف".
أما إلهام الكلام، فمعناه أن جعل الله له من الإمكانية العقلية والنفسية والحاجة الاجتماعية ما يجعله يستحدث أسلوبا أو وسيلة للتواصل بينه وبين غيره من البشر باستعمال الآلة الكلامية التي ركبت فيه .. فمن المسلمات الكونية أن الله تعالى فطر الكون في نواميسه وقوانينه على أن تقوم بأسباب طبيعية يخدم بعضها بعضا ، ويؤدي بعضها إلى بعض حتى تقوم منظومة الكون على الصورة التي نراها ، وحتى يستطيع الإنسان أن يسلك سبل البحث المؤدية إلى تلك الأسباب التي تقوم بها حياته وتتطور طبقا لأسبابها .. إلا أن يشاء الله أن تتوقف الأسباب لحكمة ــ وما عدا ذلك فإن أسباب الكون يخدم بعضها بعضا بما يتيح للإنسان أن يطوعها ليحقق الاستخلاف في الكون وعمارة الأرض ..
وهو إن رزق آلة الكلام ، فإن الكلام أمر يستطيع الإنسان من خلال التصور الذهني ، والالتقاء بين السمع والبصروالفؤاد (الإدراك) من جهة، ومفردات الكون من جهة أخرى أن يجعل للأشياء مسميات يعرفها به ، ويصطلح مع غيره على أسماء للمسميات والصور والشخوص حتى تتكون اللغة التي تتطور حتى تصل إلى حد البيان الذي ذكره القرآن ، ومع تعدد التكونات والتجمعات البشرية التي ضربت في الأرض من نسل آدم تعددت الاصطلاحات التي تعورف عليها ، والأسماء التي تواضع عليها المتكلمون من أهل كل بيئة حتى وصلت اللغات إلى ما هي عليه الآن .. فإذا كان الإنسان (كما يزعمون) قد استقى من الطبيعة الأصوات وطورها ، فلم لم تطور الطبيعة أصواتها ؟ أم التطور لغة مقصورة على الإنسان ؟ وإذا كان الإنسان قد تطور من تلقاء نفسه بالتفاعل مع لغة الطبيعة وبدون قوة موجدة ملهمة، فأين كانت الكلمات التي نطق بها آدم حين خلقه الله، وحين تكلم مع الملائكة وحين تاب إلى ربه بالكلمات التي ذكرنا..
وقد ذكر الله في سورة العلق حين أنزل أول آيات من كتابه الكريم على قلب النبي العظيم ، يذكره بهذا العهد الأول الذي أنعم به على أبيه (آدم) فقا ل له " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)"العلق ، فالقراءة هي نوع من البيان أو من طلاقة البيان الذي من الله به على الإنسان وذكره في سورة الرحمن، ثم عطف العلم على الخلق هنا كما عطف البيان على الخلق في سورة الرحمن ، ثم قال: " علم الإنسان مالم يعلم" ، وقال في موضع آخر في سورة النساء " وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)" النساء،  وقد كان البيان من أول ما علمه الله الإنسان حسب ما ذكره الحديث النبوي الذي ذكرنا في سنن البيهقي "أن أول ما دخلت الروح في جسد آدم ، عطس فقال (الحمد لله) .
 وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن "علمه البيان" المعني به القرآن ، استنادا إلى قوله عز وجل "هذا بيان للناس " آل عمران ، ولكن هذا الرأي مستبعد حيث يقتصر معنى البيان على من علموا القرآن ويستبعد من لم يصل إليهم القرآن على سبيل الإيمان أو العلم به كذلك .. كما أن الإنسان المذكور في السورة هو( اسم جنس) يشمل كل إنسان ، فكل إنسان علم "البيان" أيا ما كان سواء آمن أم لم يؤمن ، وبالتالي فالبيان هنا يشمل كل أنواع البيان التي علمها الإنسان بما فيها القرآن ..
وقد وردت لفظة البيان في القرآن في أكثر من موضع " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)" البقرة، " هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)" آل عمران ،  "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آلِ عِمْرَانَ: 187]، " ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)" القيامة ، وكلها معاني توحي بالإفصاح عما يراد من المعاني بلغة بينة واضحة مفهومة ، كما قال الفخر الرازي (مفاتيح الغيب): البيان كل ما أنزل على الأنبياء كتابا ووصايا دون أدلة العقول، و(البيان) "تفسير ما فيه حدود الحلال والحرام والوعد والوعيد وتحقيقهما.. تفسير القرطبي "،و(البيان) في سورة (القيامة) هو "تفصيل المجمل، وما أشكل من معانيه .. (تفسير البيضاوي)" .
وقد طرح بعض الفلاسفة المتقدمين(سقراط) فرضا، ذكروا "أن الإنسان حيوان ناطق"؛ وهذا لا يقلل من عظم القارق بين الإنسان والحيوان؛ حيث خاصية البيان التي ميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات هي عين التفضيل والتمييز بين الإنسان وغيره،  إلا أن المقارنة بين خصائص الحيوان والإنسان، ربما كانت لفظة "حيوان" هنا يعني بها اشتراكه مع بقية الكائنات في عملية الحياة والوظائف البيولوجية (الحيوية) التي تتم في كل منهما .. وينقل ج. برونوفسكي في كتابه (ارتقاء الإنسان) ، عن د. (والاس) المشترك مع دارون في نظرية "أصل الأنواع" حين قابل إحدى القبائل البدائية الهندية التي لا تجيد إلا اللغة البسيطة ، وهو قد استخدم بعضهم في أبحاثه ، يقول: "إن الانتقاء الطبيعي لا يمكن أن يكون قد منح الإنسان المتوحش دماغاً يفوق دماغ القردة إلا بدرجات قليلة،  بينما يمتلك هذا الإنسان في الواقع دماغاً لا يقل إلا قليلاً عن دماغ الفيلسوف.. إن خلق الإنسان يمثل ظهورمخلوق أصبحت فيه تلك القوة الغامضة المدركة التي ندعوها »العقل « وهي ذات أهمية تفوق بكثير مجرد بنيته الجسدية".
 فكما ذكرنا أن الكلام عملية معقدة مكونة من عدد من الوظائف العقلية والنفسية والفموية والحيوية، وأن بها يقوم التواصل بين البشر، وعلى إثر هذا التواصل يتم التعاطي مع مفردات الكون ومتطلبات الحياة مما يطور كثيرا من شأن الإنسان وشكل الحياة التي يحياها، كما أن اللغة ومفرداتها تتعقد وتتطور كلما كان الإنسان حاضرا متمدنا ، كما تقل مفرداتها وتسهل كلما كانت معطيات الحياة أسهل وتفاصيلها أقل مثل قبائل البدو الرحل الذين تقل لديهم المفردات المستعملة حسب حاجة الحياة ، لكن هذا لا يقلل من المعطيات العقلية والنفسية لديهم .. وهذا ما يؤكد أن التطور اللغوي للإنسان هو نوع من التطور الحضاري، أو على الأقل مترتب عليه، كما يمد أحدهما الآخر بهذه النقلة الفكرية التي تنقله من طور إلى آخر، كما أن تطور البيان يعني ارتقاء الحالة العقلية والنفسية والحضارية للإنسان، وليس مجرد تغير شكلي للمفردات والاصطلاحات التي ينطق بها..
وأخيرا.. يبقى ــ برغم كل ما وصل إليه الإنسان ــ من هذه النقلة العلمية الحضارية ، تبقى هذه الردة الحضارية التي لم يستطع الإنسان تجاوزها، (ردة الصراع) ، ليس صراع الطبيعة والبقاء، ولكنه صراع "الفناء" الذي يفرضه على نفسه بما تكسبه يداه التي تشعل الحروب وتهلك النفوس ، وتبيد الحرث والنسل ؛ صراع يسير معه في عكس ما خلق له ، وما مكن للقيام به" إني جاعل في الأرض خليفة ".
لنرى بعد ذلك .. هذا الإنسان الذي "عُلم البيان" يبارز به ربه ويحاد به رسله، فيصير"خصيم مبين"  و"كفور مبين" .. وياله من مخلوق عجيب هذا الذي أسبغ عليه كل هذه النعم ، وشمل بكل هذا التكريم  يصبح على ربه به ظهيرا ، فمن قائل "أنا أحيي وأميبت"، ومن قائل "أنا ربكم الأعلى .. وما علمت لكم من إله غيري" ، وقائل "يد الله مغلولة .. إن الله فقير ونحن أغنياء" ، وقد كان في ضعف وهو في الخصام غير مبين، ثم يبغي حتى يوغل في التحدي لربه"وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم" .. إلى هذا الحد يجحد الإنسان من علمه البيان .. ولولا أن حفت نعمة (البيان) بلطائف صفة "الرحمن" لما كان للإمهال مجال ، غير أن  رحمته سبقت غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، لعل يكون في الإمهال استدراك لما فات، حتى إذا ما رود على ربه كان البيان حجة عليه " حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) فصلت.