الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

السيدة فاطمة الزهراء.. بنت النبي وأمه (صلى الله عليه وسلم)

الخميس 08 نوفمبر 2018 08:38 ص بتوقيت مسقط

السيدة فاطمة الزهراء.. بنت النبي وأمه (صلى الله عليه وسلم)

 

د. محمود رمضان | الدوحة
يكفيها شرفاً أن أباها سيد الأنبياء، وأشرف الخلق وأحبهم إلى الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، الهادي إلى سواء السبيل، ذو الخلق العظيم، رحمة الله للعالمين، بالمؤمنين رؤوف رحيم، نور الدنيا وضياؤها، وبدر الكون بجماله، الشافع المشفع، سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، ويكفيها شرفاً وكرامة أن أمها سيدتنا الطاهرة النقية التقية خديجة بينت خويلد، التي أول من آمنت بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الإسلام والدعوة المحمدية، ويكفيها شرفاً أنها أم الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة، وأم سيدتنا الطاهرة الشريفة العفيفة رئيسة الديوان سيدتنا زينب رضي الله عنها وأرضاها، ووالدة أم كلثوم رضي الله عنها وأرضاها، ويكفيها شرفاً أنها زوج الإمام علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين المهديين، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ويكفيها شرفاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها إنها من أفضل أربع نساء في الجنة، إنها سيدتنا الطاهرة المطهرة، الزاهدة الورعة، النقية التقية، الصديقة، الزكية، الحانية، الطاهرة، المطهرة، الصادقة، الريحانة، سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها.
ولدت سيدتنا فاطمة الزهراء في مكة المكرمة، ولم تشعر سيدتنا خديجة بوطأة ولا ثقل حملها، مع أنها آخر من أنجبت سيدتنا خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فالسيدة فاطمة الزهراء هي صغرى بناته.
وشهدت سيدتنا فاطمة منذ طفولتها أحداثاً جساماً كثيرةً، فقد كان النبي يعاني من اضطهاد قريش، وكانت فاطمة تعينه على ذلك الاضطهاد وتسانده وتؤازره، كما كان يعاني من أذى عمه أبي لهب وامرأته أم جميل من إلقاء القاذورات أمام بيته، وكان من أشد ما قاسته من آلام في بداية الدعوة ذلك الحصار الشديد الذي حوصر فيه المسلمون مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وأقاموا على ذلك ثلاث سنوات، فلم يكن المشركون يتركون طعاماً يدخل مكة ولا بيعاُ إلا اشتروه، حتى أصاب التّعب بني هاشم، وكان لا يصل إليهم شيئاً إلا مستخفياً، ومن كان يريد أن يصل قريبا له من قريش كان يصله سراً.
وقد أثر الحصار والجوع على صحة فاطمة، ولكنّه زادها إيماناً ونضجاً، وما كادت فاطمة تخرج من محنة الحصار حتى فوجئت بوفاة أمها خديجة فامتلأت نفسها حزناً وألماً، ووجدت نفسها أمام مسئوليات ضخمة نحو أبيها النبي الكريم، وهو يمرّ بظروف قاسية خاصة بعد وفاة زوجته وعمّه أبي طالب، فضاعفت الجهد وتحملت الأحداث بصبر، ووقفت إلى جانب أبيها الرسول الكريم لتقدم له العوض عن أمها وزوجته، ولذلك كانت تُكنّى بـ «أم أبيها».
وسيدتنا فاطمة الزهراء، رضي الله عنها وأرضاها، كانت ترعى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رعاية الأم لولدها، وكانت تضمّد جراح أبيها بعد الغزوات أو عند تعرض الكفار للنبي وإصابته صلى الله عليه وسلم بجراح، فكانت لرسول الله بمثابة الأم الرحيمة والعطوفة التي تغدق عليه حنانها ومحبتها، تماما مثل ما كانت تفعل سيدتنا آمنة بنت وهب مع ابنها صلى الله عليه وسلم، فقد ذاق النبي حنان آمنة مثلما ذاق حنان فاطمة، لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلطف مع فاطمة ويقول لها: «يا أماه»، و«يا أم أبيها».
ويكتمل حزن سيدتنا فاطمة بوفاة أمها سيدتنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، فبكتها بكاء حاراً، وجزعت نفسها جزعا شديداً، فقد كانت الزهراء طفلة، ولكن الحبيب المصطفى ضمها في حضنه، وقبل جبينها الطاهر، وأخبرها أن أمها من سيدات العالمين وأن الله بنى لها بيتا في الجنة، فهدأ روع سيدتنا فاطمة، وقامت نحو أبيها فقبلت يديه الشريفتين، وأخذت على عاتقها القيام بدور الابنة والأم نحو أبيها صلوات الله وسلامه عليه.
وبمرور الأيام بعد وفاة السيدة خديجة، رضي الله عنها، رأت أن أباها بحاجة إلى زوجة، فلما تزوج فرحت، وكانت أكبر معين، فلما تقدمت خولة بنت الحكيم, تخطب للنبي، صلى الله عليه وسلم، لتزوجه, كانت فاطمة وأخوتها جميعاً راغبات راضيات عن زواج أبيهن، الذي أضناه الحزن على فراق أمهن خديجة، ولما جاءت خولة, قالت: أفلا أخطب عليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى، ثم قال: فإنكن معشر النساء أرفق بذلك، وخطبت خولة عليه سودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، فتزوجهما.
وعاشت فاطمة مع زوجتي أبيها بكل حب وحسن عشرة، بل كان يزيد في سرورها رؤية أبيها سعيداً في زواجه هذا، وكانت مع أزواج أبيها أكثر انسجاماً، واحتراماً، وتوقيراً، والإحسان إليهن، والتأدب معهن.
وتمضي الأيام والأحداث، ويتقدم لخطبة سيدتنا فاطمة الزهراء خيرة شباب قريش، فهي ابنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وابنة خديجة بنت خويلد ذات الشرف الرفيع في قومها، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم رداً كريماً جميلاً، إلى أن تقدم لها سيدنا علي بن أبي طالب، فقبل به النبي صلى الله عليه وسلم زوجا لسيدتنا فاطمة الزهراء.
ويكتمل عقد الذرية الطاهرة المباركة، فولدت سيدتنا فاطمة الزهراء الحسن، ثم الحسين، سبطا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سيدتنا الطاهرة الشريفة النقية التقية سيدتنا زينب، ثم سيدتنا أم كلثوم الطاهرة المباركة، ويربيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فتشربوا بأخلاق النبوة المباركة، فنشأوا على التقوى والورع والزهد والعفاف والكرم والعبادة والجهاد في سبيل الله، صوامون قوامون لله تبارك وتعالى.
ولم تكن حياة فاطمة في بيت زوجها مترفة، ولا ناعمة، شأنها في ذلك, شأن حياتها عند أبيها قبل زواجها، حياة خشنة، فسيدنا علي, حيناً شُغل بالجهاد مع رسول الله, شُغل عن جمع المال.
فانصرف هذا الصحابي الجليل, ابن عم النبي, إلى نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونشر التوحيد بين الناشئين، فشغله ذلك عن سبيل الثراء, الذي كان أشراف قريش, قد وجهوا شبابهم إليه، فلا عجب إن رأينا هذا الصحابي الجليل, لا يملك مهراً لزوجته سوى درعه، وحال سيدنا علي قبل الزواج, لم يكن خافياً على السيدة فاطمة.
وكان علي رضي الله عنه, كلما عاد إلى بيته, يرى فاطمة متعبة راضية, فيساعدها في بعض أعمال البيت القاسية في كل وقت, مكنته الظروف من ذلك، حيث كان غير قادر على أن يستأجر لها خادماً، أو أن يشتري لها أمة, تقوم عنها بأعباء البيت، فكان هو يخفف عنها بعض عناء البيت . فجاء عليٌّ مرةً فرآها، وهي تسقي من البئر, حتى اشتكت صدرها، فقال رضي الله عنه: قد جاء الله بسبي، فاذهبي إلى رسول الله فاستخدمي، أي ائتي بخادمة، فقالت: وأنا والله قد طحنت, حتى مَجَلَتْ يداي, فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما جاء بك أي بنية؟ استحييت, قالت: جئت لأسلم عليك، واستحييت أن أسأله، ورجعت فأتيناه جميعاً، فجاءت بسيدنا علي، فذكر علي حالها، للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال إن ابنتكم يا سيدي متعبة، والعمل شاق، وجسمها ضعيف، فهل من خادمة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا والله لا أعطيكما, وأدع أهل الصفة, تتلوى بطونهم، ولا أجد ما أنفق عليهم.
وهناك حديث في صحيح البخاري, عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى, وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ, فَلَمْ تُصَادِفْهُ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَلَمَّا جَاءَ, أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ, قَالَ: فَجَاءَنَا, وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا, فَذَهَبْنَا نَقُومُ, فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا, فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا, حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي, فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا, إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا, أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؟ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ، وفي رواية أحمد: فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَرَكْتُهَا بَعْدَمَا سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ رَجُلٌ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ.
وكان زوجها علي بن أبي طالب لا يفارق رسول الله أبداً في غزواته والجهاد في سبيل الله, إلا ما كان في غزوة تبوك حين استخلفه في المدينة، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ, وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا, فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي.
وهاجرت الزهراء إلى المدينة المنورة وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت معها أختها أم كلثوم وأم المؤمنين سودة بنت زمعة بصحبة زيد بن حارثة وهاجر معهم: أم المؤمنين عائشة وأمها أم رومان بصحبة عبد الله بن أبي بكر، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة.
سيرة سيدتنا فاطمة الزهراء العطرة، وردت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، منها: «حَسْبُك مِنْ نساءِ العالَميَن أَرْبَع: مَرْيمَ وَآسيَة وَخَديجَة وَفاطِمَة»، «خَيْرُ نِساءِ العالَمين أَرْبَع: مَرْيمَ وَآسيَة وَخَديجَة وَفاطِمَة»، «أَحَبُّ أَهْلِي إِليَّ فاطِمَة»، «سيّدَةُ نِساءِ أَهْلِ الجَنَّةِ فاطِمَة»، «فاطِمَة بَضْعَةٌ مِنّي، يُريبُنِي ما رابَها، وَيُؤذِيني ما آذاهَا»، «فاطِمَة، أَنْتِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتي لُحُوقاً بِي»، «كَمُلَ مِنَ الرِّجال كَثِيرُ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النساءِ إِلاّ أَرْبَع: مَرْيم وَآسِيَة وَخَديجَة وَفاطِمة»، « حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».
وكانت سيدتنا فاطمة الزهراء تحب أباها صلوات ربي وسلامه عليه، حبا جما، وعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا, وَقَالَ الْحَسَنُ حَدِيثًا وَكَلَامًا, وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدَّلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ, كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا».
فلما انتقلت روح النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى، بكت الزهراء بكاء حاراً، ودعت الله تبارك وتعالى أن تلحق به، وأنشدت:
نفسي على زفراتها محبوسة    ياليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعـدك في الحياة وإنما    أبكي مخافة أن تطول حياتي
فقد كانت سيدتنا فاطمة تحب النبي صلى الله عليه وسلم حب الابنة لأبيها، وحب الأم لابنها، وظلت تبكي والدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن هزل جسدها، وبعد عدة أشهر لحقت بحبيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، وكان عمر سيدتنا فاطمة تسع وعشرون عاماً.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.