الخميس, 22 نوفمبر 2018

مقال : الأمن المائي إلى أين؟

الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 05:42 م بتوقيت مسقط

الأمن المائي إلى أين؟

سليمان بن شنين بن بريك الخاطري

 

الماء وما أدارك ما الماء، لسنا بحاجة إلى فلسفة معرفية لتعريفه فالله سبحانه وتعالى تكفل بذلك في محكم كتابه العزيز حيث يقول ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)

هذا التعريف الشمولي والعميق والذي يعرّف هذا السائل الحيوي في كلمات معدودة تستوعب تعاريف أهل الفقه وأرباب العلوم التطبيقية والعلمية.

وعلى هذا فلا يختلف اثنان على أهمية الماء في زمن الحياة البدائية، فضلاً عن زمننا هذا لاتساع البقعة التي تغطيها الحياة البشرية ولزيادة الطلب عليه مواكبةً لتطور حياة الإنسان التي واكبت الثورة العلمية والصناعية والتجارية والتقنية، كل هذا زاد من الطلب على المياه النقية والصالحة لاستمرار الحياة بأنماطها المختلفة والمُتجددة.

الأمن المائي يأتي وبلا منافس في مُقدمة أنواع وأشكال الأمن المعروفة وأي خلل فيه سيتداعى على باقي أنواع الأمن بل سيُهدد الحياة البشرية فلا معنى للأمن القومي والاجتماعي والدفاعي والصحي والغذائي والبيئي وغيره من أنواع وأشكال الأمن إن لم يكن هناك أمن مائي لأهميته لبقاء الحياة البشرية والحيوانية والفطرية والبيئية ولضرورته لاستمرار التقدم العلمي والصناعي ولتوفير الأمن الغذائي والذي يستنزف الكثير من المياه العذبة.

إنَّ الأمن المائي كان حاضراً عند الرعيل الأول من أجيالنا الماضية فبالرغم من محدودية الإمكانيات وشح الموارد وبساطة الحياة إلا أنَّ الماء كان متوفراً وفائضاً على حاجة الإنسان فقد جابه الإنسان العماني الجبال والصخر والحجر واستخرج المياه من أعماق الأرض وبطون الأودية ومحاجر الجبال فشق الأفلاج على مسافات طويلة وحفر الآبار والعيون وبنى السدود والبرك ووفر الأمن المائي لعابري السبيل وقاطعي الطريق من خلال حفر الآبار وعمل السدود والبرك أوقافاً لهذا الغرض.

ومما سبق يتضح أن توفير الأمن المائي ليس ترفاً ولا مضيعة للأموال، بل ضرورة ملحة وحاجة ماسة، بل إن المتتبع للقرآن الكريم وبالرغم من أصناف العذاب التي أنزلها الله تعالى على بني إسرائيل والأقوام السابقة من القُمّل والضفادع والدم والخنازير والريح والأعاصير وحجارة من سجيل وغيرها من أنواع العذاب إلا أنه لم يرد أن عذّب الله تعالى قوماً بحجب المياه عنهم لأنَّ الغرض من العذاب العظة والتنكيل والعودة إلى جادة الطريق المستقيم بينما حجب المياه يعني القضاء على الحياة البشرية والقضاء على الأخضر واليابس.

إن توفير الأمن المائي في عصرنا هذا وبعدما أصبحت الدولة ذات مؤسسات مدنية وتعمل وفق نظام يشمل جوانب الحياة المختلفة ووفق قوانين وأنظمة أوجدها المشرع لحماية الموارد الطبيعية والثروات الوطنية ولتوحيد العمل في المؤسسات ولتسهيل حياة المواطنين وعلى هذا فإنّ توفير الأمن المائي أصبح من اختصاصات الحكومة الرشيدة وهي المعنية بتوفير مصادره المختلفة ومد شبكات المياه في ربوع الوطن العزيز أينما وجدت الحياة البشرية وحتى الحيوانية.

وبالرغم من التقدم  العلمي والتقني إلا أنَّ توفير الأمن المائي حالياً ليس بتلك السهولة، كما يظنه البعض لمحدودية المصادر المائية وارتفاع تكلفة الإنتاج واتساع مساحة الوطن وغيرها من الأسباب ومع هذا فالحكومة الرشيدة مطالبة وبشدة بعدم الاستسلام لتلك المعوقات والبحث عن وسائل ناجعة وبدائل مبتكرة تعزز قدراتها في هذا الجانب واستضافة الخبراء والإنفاق على البحوث العلمية لإيجاد الحلول المستدامة بدل الحلول الوقتية والترقيعية، ومن هذه الوسائل والبدائل الاستفادة من البحوث العلمية للدول المتقدمة لتعزيز تقنيات الاستمطار الصناعي والتي بدأت الحكومة منذ سنوات بنشر هذه المحطات في مواقع مختلفة من أرض الوطن ولكن لا تزال نتائجه متواضعة ولا توجد بيانات دقيقة لفعالية تلك المحطات، ومن البدائل الأخرى تشييد السدود بأنواعها التخزينية والتغذية الجوفية، وزيادة محطات إنتاج المياه ذات الكلفة المنخفضة والتي تستخدم الطاقة النظيفة مع ربط هذه المحطات ببعضها البعض ومد شبكاتها في ربوع الوطن وإقامة خزانات احتياطية في الولايات تكفي لعدة أيام في حال وجود أي عطل طارئ حتى يتم إصلاحه.

 

وبما إن الإنسان هو الهدف الأول قبل غيره من الأمن المائي فهو الآخر معني بالمساهمة الفعالة بأفكاره وتدخله المباشر في التقليل قدر الإمكان من استنزاف الموارد المائية والترشيد في استخدام المياه عن طريق استخدام الوسائل والأجهزة الموفرة للمياه في أنشطته المختلفة الزراعية منها والصناعية والمنزلية وحث الأسرة على الترشيد من المياه قدر المستطاع لأن الإسراف في استخدام المياه وغيره من جوانب الحياة ينذر بالوعيد وجاء النهي عنه في محكم التنزيل حيث يقول عز من قائل (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ويقول جل جلاله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ).

وعليه فتوفير الأمن المائي مسؤولية مشتركة كل حسب ما يتوفر له من إمكانات ووسائل من جهات حكومية عبر حزمة من الإجراءات ومجموعة من الإصلاحات في البنى التحتية والقوانين التشريعية والتي تضمن استدامة هذه الثروة وبقاءها نقية صالحة للاستخدام الآدمي، كما على القطاعات الخاصة والجهات الأهلية المساهمة بالوسائل التي في حوزتهم وليس آخرها الترشيد والمحافظة عليها من التلوث.