السبت, 17 نوفمبر 2018

مقال : في حَضْرة كهوف معبد باتو

الإثنين 03 سبتمبر 2018 11:04 م بتوقيت مسقط

حمود الطوقي

 

كان اليوم بالنسبة لي استثنائيًّا؛ حيث يقضي معظم الماليزيين الإجازة بمناسبة عيد الاستقلال، لم أحدِّد وجهة معينة: أين سأقضي يومي؟ طاف بي شريطُ الذكريات إلى نحو عقدين من الزمن حيث زيارتي الأولى، زرت معبد البوذا، استشرتُ زوجتي وأولادي لزيارة هذا المعبد؛ استكمالا لاكتشاف جزء من مكنونات كوالالمبور، لمشاهدة المعبد الهندوسي الذي يقع في منطقة سيلانجور القريبة من العاصمة.

كانتْ الأجواء جميلة، طَلبنا من سائق السيارة الأجرة أن يتوجَّه بِنَا صَوب المعبد الرئيس للهندوس، أحد مكونات المجتمع الماليزي، وهو عبارة عن كهف في جبل كبير، يُصعد إليه بدرج من الأسمنت، يصل عدد الدرج إلى مائتين وعشرين درجة، يبدو إليك من بعيد بألوانه الزاهية كأنه لوحة فنية رُسمت بريش فنان ماهر، وأنا اطلع الدرج الملوَّن الزاهي، همس ابني إليَّ: أَي الكهفين أكبر كهفنا "مجلس الجن"، أم هذا الكهف؟! معلومات ابني عن كهف مجلس الجن أنَّه ثاني أكبر قاعة كهفية على مستوى العالم. أخذ يُحدثني لماذا لا نهتم بالكهوف عندنا وهي مصدر جذب سياحي، لم أكن مُهتمًّا بحديثه لعلمي أنَّ تطوير الكهوف يحتاج إلى مُخصَّصات مالية، ولدينا أولويات ضمن الخطط المُعلنة. غيَّرت مجرى الحديث، وأنا ألوِّح إلى عدد كبير من السواح أتوا من مختلف دول العالم لزيارة هذا المعلم الديني الذي شُيِّد منذ زمن بعيد، يُخيَّل إليك أنه مُعلَّق، وجدنا عنده خلقًا كثيرًا، فيهم سياح أوروبيون وصينيون ويابانيون ومسلمون، فضلا عن الهندوس الذين كانوا يمارسون طقوسهم.

ابنتي الصغيرة "حلا"، كانت تُعمق النظر في ملابس الكهنة في المعبد، كان لابد من توضيح الأمر لها. زوجتي أخذتْ عنِّي هذه المهمة؛ حيث أخذت تشرح لها عن الديانات السماوية؛ أشارت إلى أسرة مسلمة وقالت: هؤلاء يا حلا مسلمون، ولديهم مساجد لتأدية الفرائض، وهناك الكنائس للديانة المسيحية، وهذا المعبد للديانة البوذية. كان همُّ زوجتي فقط توضيح الصورة الذهنية لهذا المعبد.

تأمَّلتُ يمنةً ويسرةً إلى مُكونات المعبد، عند مدخل الكهف نصبوا جهة اليمين تمثالا ضخما أصفر اللون يسرُّ الناظرين، سمعت أحد السيَّاح العرب من الجنسية الجزائرية يُحدث رفيقه، قيل لنا: إنَّ هذا التمثال العملاق مطليٌّ بالذهب الخالص، يظهر من ملامحه أنَّه لامرأة، وهناك تماثيل مُنوَّعة لرجال ونساء وحيوانات، من أغربها تمثال نصفه السفلي لبقرة والنصف الأمامي لامرأة بقُرون وذَيْل! وعن يسار المدخل أماكن يمارسون فيها طقوسهم بإشراف رُهبانهم، مُستعملين ترانيم وأصواتًا غير معلومة لنا، وحركات لعلها تُعبِّر عن الخضوع والاستسلام، وقد وضعوا صناديق لجمع التبرعات من زوارهم، ومن عجيب أمرهم أنك ترى الشخص ذا هَيئة، وعياله في حال من الانضباط لمباركة الرُّهبان إياهم.

على أعلى الجبل، حيث تصب الشلالات مُحدثة نغمة موسيقية يتردَّد صداها، تتحرك القردة بكل حرية وحيوية؛ حيث يقف العشرات لالتقاط الصور التذكارية، سألتُ ابني: هل تعرف المصطلح المحلي الذي نطلقه على القرود؟ قال نُطلق على القرد "السبال"، كانت القرود تتحرَّك بتلقائية صُعُودا وهبوطًا على الدَّرج، تأكل ما يُعْطَى لها من قبل السياح من موز وجوز هندي.

الزَّائر من المسلمين لهذا الكهف، والناظر لما فيه من مشاهد غريبة، لا بد له أن يستذكر كرامة الإنسان، ويشكر الله على نعمة الإسلام الدين الخالص، هكذا كُنت أحدِّث أولادي ونحن نُودِّع هذا المعبد الوثني.

كُنت أُحدِّث أولادي بين الفينة والأخرى عن سياسة مهاتير محمد، هذا الرجل التسعيني العجوز الذي يقود القاطرة ويحكم ماليزيا الآن، لقد استطاع أن يُبعد الدين عن السياسة، وينظر إلى مصلحة الوطن على الرغم من تعدُّد الأطياف، فترك الهندوس يمارسون طقوسهم، وكذلك البوذيين من الصينيين يُمارسون معتقداتهم وطقوسهم بكل حرية، في مجتمع غالبيته من المسلمين؛ وذلك رغبةً منه في صيانة السلم الاجتماعي، وتثبيت الانتفاع مما لدى كل الطوائف والمذاهب، لضمان استقرار البلد، والإسهام في تحقيق نهضة يجني الجميع ثمارها، ويعم نفعها المواطن الماليزي أولا.

ومن واجب المسلم عند رؤية مثل هذه المشاهد الاعتبار، ولعلَّ من مسؤولية المسلمين مضاعفة الجهود لإيصال الخير إلى الخلق، وحُسن دعوتهم، لإنقاذهم من جحيم الضلالة في الدنيا، ومن سوء المصير في الآخرة؛ وما تحتاجه منا الإنسانية اليوم عظيم؛ فمن شُكر نِعمة الإيمان أن نُعرِّف الخلق بالخالق سبحانه وتعالى.