الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

حذاء أمّي

الأحد 02 سبتمبر 2018 08:15 ص بتوقيت مسقط

حذاء أمّي


سعيد أولاد الصغير - المغرب

    
بمدخل سوق مكتظ بالباعة وضعت فتاة رغيفها فوق قماش أسود وجلست كباقي نساء القـرية... تقدمت نحوها، وضعت قفّتي على الأرض وقلت: أريد كلّ بضاعتك، فاطلبي السعر الذي يناسبك...! تبسّمت وقالت: بل خذ ما يكفيـك سيدي، واترك الباقي لمن يليك... فوجئت بسذاجة هذه الفتـاة، ضحكتُ بلا حياء في وقت، كان يجب علي البكاء. قلت لها مستغربا: ألهـذا الحدّ أمر الناس يعنيك...!؟ أدارت وجهها عنّي، وردّت على الفـور: يكفيهـم ما يكفيـك، فطلبك يـدلّ عليك... ذهلت مما سمعت... ودون أن أحـوّل بصري عنها، انحنيت أتلمّـس قفّتـي، حملت شيئا وانصرفت... أراوغ الناس وأحاور نفسي وأقـول: يا من ضيّعت العمر معتقدا، أن السوق عرض وطلب... ألم تعلم أيضا أن للتسوق أحكـام وأدب...؟! حارس عجوز كان يقف أمام البوّابة ويتابع ما يجري، لحق بي، ربت على كتفي وقال: لا تقـلق يا هذا، هي فتاة بسيطة ترضى باليسير، ترعى إخوة صغارا و تحمل معها حذاء أمها المتوفاة ليـلا ونهارا... فقط هي أرادت البيع ولم تعـقـد، و أنت خانك الطبع ولم تقصـد... جف حلقي وأطبق الغمّ على صدري وعمّ بيننا الصمت... فجأة، سمعنا صراخ الفتاة القوي والغاضب: هذا فعل مارق وأخـرق... من سرق حذاء أمي فهو أحمـق... !؟ دون أن يكمل الحارس العجوز قصّته، تركته وهرعت نحو خيمة كبيرة نُصبت في كبد السوق، يُباع فيها كلّ شيء... قِـرب مـاء، حبّة سوداء، ونعـال للنساء... أقسم لي صاحبها لمّا ساومته، أنها لا تُبلى ولا تبتـلّ بمـاء...! أدّيت ثمن النعل، رتّبت كلامي جيدا وعدت أبحث عن الفـتاة... أتحسس من كل صوت يصلني وأتوجع مع كل نظرة تخترقـني... من بعيد، بدت لي شاحبة الوجه وترتجـف... تقـدمت بحذر نحوها وقلت: هذا نعل رفـيع هدية مني إليك... أم لديك في ذلك يا عزيزتي شــك!؟ هزّت رأسها رافضة هذا السخاء، دعت لـي بدعاء يعــانـق السماء وقالت: يا كريم الأصــول... قـدَم أمـي لـه مقـاس... مـن فـرطِ الطريـق، ألـفَـه النّمـل، و الـرّمـل والوحَــل... فشتّـان ما بين حذاء يغار منه الخجل... ونعل همّـاز مشّاء يقتفـي أثـر الدّجـل...! أدركت آنئــذ أنّـي نكـأت الوجع العميـق إن لم يكن الأعمـق ...قلت لها: اعذرينا كريمتي... إن القـرف من دمنا غـرف... فأضحى كلّنـا طرف...لك العفّـة ولنا العلـف... إنّـي نذرت الآن إمامتي لك وللشرف... في تلك اللحظة، لمعت عينا الفتاة بنظرة غريبة، وضعت يدها برفـق على خدّها، أذرفـت دمعـا كالنزيـف وصاحت: أيها الناس...! إن الصلاة على أمي جائزة... فلا تسألـوا الدّعـاة... اخلعـوا نعالكـم، فلنقيم الحيـاة .!