الخميس, 13 ديسمبر 2018

الاتساق والانسجام في وصايا قيد الأرض للشاعر العماني سعيد الصقلاوي (2-4)

الإثنين 27 أغسطس 2018 08:34 ص بتوقيت مسقط

الاتساق والانسجام في وصايا قيد الأرض للشاعر العماني سعيد الصقلاوي (2-4)

 

د. انشراح سعدي – الجزائر - أستاذة محاضرة /جامعة الجزائر(2)
1-2 الاستبدال:
الاستبدال عملية تتم داخل النّص، إنه تعويض عنصر في النّص بعنصر آخر، ويعد الاستبدال شأنه شأن الإحالة ، علاقة اتساق، إلا أنه يختلف عنها في كونه علاقة تتم في المستوى النحوي المعجمي بين كلمات أوعبارات، بينما الإحالة علاقة معنوية تقع في المستوى الدلالي.و ينقسم الاستبدال إلى عدة أنواع أهمها اسمي وفعلي وقولي واستبدال المشابهة*والاستبدال الطاغي على الديوان هو الاستبدال الاسمي الذي سنستشهد بمثال وارد فيه.
أ‌-    الاستبدال الاسمي: يقول سعيد الصقلاوي في قصيدته شمس التاريخ
شمس التاريخ هنا درجت منذ الأزل
في (رأس الحد) وفي (نزوى) وذرى (الجبال)   
عوّض الشاعر الشكل البديل (هنا) بالعناصر الاسمية المتمثلة  في مدن ومواقع عُمانية، هنا تستعمل في الإشارة  إلى المكان القريب ، وانزاح الشاعر عن هذه الوظيفة لأنّ هذه الأماكن لا يمكن أن تكون قريبة كلّها له وإنما لقلبه، وهو يتحدّث عن وطنه عمان الضّارب في عمق التّاريخ والحضارة.
1-3 الحذف: يعتبر الحذف من أهم العلاقات الداخلية المساهمة في تفجير الطاقات  التعبيرية للغة ،وهو ظاهرة مشتركة بين اللّغات الإنسانية، فهو "إسقاط وطرح جزء من الكلام أو الاستغناء عنه ، لدليل دل عليه أو للعلم به وكونه معروفا"،فكثيرا ما يميل المتكلم إلى حذف العناصر المكررة أو التي يمكن له فهمها من السّياق، والحذف في مستوى الجملة  وذلك لأن العلاقة بين طرفي الجملة علاقة بينوية لا يقوم الحذف فيها بأي دور اتساقي، وبناء عليه فإن دور الحذف في الاتساق ينبغي البحث عنه في العلاقة بين الجمل وليس داخل الجملة الواحدة   
قد لا يخضع الحذف إلى قوانين نحوية ولا تشير إليه معطيات لغوية ولكنه يفهم من خلال السياق.
-    حذف الجملة: كثيرا ما تتعرض الجملة إلى الحذف كليّا وفق حدود رسمها النحاة وفصل فيها المهتمون بتحليل الخطاب ،ومن أمثلة حذف الجملة  الفعلية  في قصيدته الموسومة  رجولة الكلام
فاجأني غناؤك الجميل
أحرفه، ولحنه، ونبضه، وحلمه الجميل
و زركشات حرقة يثور في صحرائها العويل
حذفت جملة (فاجأني) خمس مرات: قبل أحرفه/فاجأتني أحرفه،قبل نبضه/ فاجأني نبضه، قبل  حلمه  الجميل/ فاجأني حلمه، وقبل  زركشات حرقة / فاجأتني زركشاتحرقة، لم يذكرها الشاعر كيلا يكرر المعروف لينسج صورة للغناء الجميل  بين كلمات متباعدة في الواقع( حرف، لحن ، نبض،حلم ،زركشة )  قريبة في هذا المقطع الشّعري الذي تحقق الاتساق فيه من خلال الحذف.
 لجأ الصقلاوي في نصوص شعرية كثيرة في هذا الديوان إلى حذف جمل بأكملها لا جملة واحدة فقط و سنقف على نصه الموسوم دنا
دنا فحيّا
         سنا الثّريا
       فقلت حيّا
                         زها ويزهو
                       بك المحيّا
وجاء قلبي
       إليك ينبي
       بكلّ حبي
                 تفيض عيني
                هوى غنيّا
إن سمة هذا النّص الشعري الإيجاز بحذف  كلام من( دنا فحيّا) ، فبعد أن حيّا اختفى صوته ولم يظهر إلا من خلال البياضات في النص كما يظهر أعلاه ،ولا نعرف  باللفظ وإن كان السّياق لا يمكن أن يجعلنا نخطئ في معرفة الذي دنا وحيا (الحبيب) حتى آخر متتالية من النص الشعري حين يقول:
فيا حبيبي
        وطيب طيبي
        ويا وجيبي
                   فكن لدهري
                  هنا  مليّا                             
فالبياضات أو الفراغات التي يتركها في شطر القصيدة حين ينتقل من شطر لآخر تجبر القارئ على فك مغاليقالنص وتأويله، أو بالأحرى إعادة بناء الجمل المحذوفة لفظا المضمرة معانيها في ما يلي البياض .
يفتح الصقلاوي نافذة الخيال على مصرعيها وهو الوحيد الذي يعرف فحوى هذا الخطاب غير المنطوق، ولا عجب وأن هذا الشّاعر حين يصرّح بأن الكلام موجّه للمحبوب يختار (لفظ حبيبي) في صيغة المذكر عوض (حبيبتي) في صيغة المؤنت، هذه البياضات  رسمت لنا لوحة  للقاء بين الشاعر والحبيب المتكتم عن مشاعره ،والغاية منها بالدرجة الأولى إبراز ذات الشاعر المتكتمة عن الآخر في هذه المصارحة بعد التحيّة ،وكأنه يقول المهم أن تعرفي أن  (عين تفيض هوى غنيا/ يظل عمري بك  الحفيا/...)،في هذه القصيدة وإن كان صاحبها يعترف بحبّه وبحاجته إلى هذا الحبيب، إلا  أنّه اختار نبرة صوت هادئة إن لم نقل خافتة بلغة بسيطة زاوجها بالصّمت والبياضات في بداية بعض الأسطر وكأنه يتوجس من بعض التّفاصيل التي قد توصل القارئ لمعرفة هذا الآخر الذي فضّل تذكيره،  خصوصا أن المجتمعات العربية تبيح الحب للرجل وتعتبره محرما بل طابو بالنسبة للمرأة رغم أنّها طرف أساس في هذه العملية ، ومن هنا نقول إن الجمل الكثيرة المحذوفة في قصيدة دنا ، و الحذوف  في  نصوص شعرية أخرى للصقلاوي لعبت دورا هاما في اتساق الخطاب الشعري وعمق بنائه.
-    4 الوصل: يعتبر الوصل المظهر الاتساقي الخامس، وهو مختلف عن كل علاقات الاتساق السابقة ،وذلك لأنه لا يتضمن إشارة موجهة نحو  البحث عن المفترض فيما تقدم أو ما سيلحق، كما هو شأن الإحالة والاستبدال والحذف، فما هو المقصود بعلاقة الوصل  إذن ؟" إنه تحديد للطريقة التي ترابط بها اللاحق مع السابق بشكل منتظم" ، معنى هذا أن النص عبارة عن جمل أو  متتاليات  متعاقبة  خطيا، ولكي تدرك كوحدة متماسكة تحتاج إلى عناصر رابطة تصل بين أجزاء النص.
والربط عند روبرت دي  بوجراند " يشير إلى العلاقات التي بين المساحات أو بين الأشياء التي  في المساحات" ، وتصل أدوات الربط المستعملة في وصايا قيد الأرض إلى  ثلاثة مائة وواحد وخمسين أداة ربط(312 واو، 31أو ،8 فاء)  وقسم هاليدي وحسن رقية هذا المظهر الاتساقي إلى:
-    الوصل الإضافي: " يتم الوصل الإضافي بواسطة الأداتين" و" و"أو" وتندرج ضمن المقولة العامة  للوصل الإضافي  علاقات أخرى مثل التّماثل الدلالي المتحقق في الربط بين الجمل بواسطة تعبير من نوع:  بالمثل.....، وعلاقة الشرح تتم  بتعابير مثل: أعني، بتعبير آخر... وعلاقة التمثييل المتجسد في تعابير مثل: مثلا، نحو.." ، ويتميز هذا الوصل بأنه يجمع بين الوصلوالفصل في آن واحد.
لا يخلو نص شعري من نصوص الصقلاوي الشعرية من الوصل الإضافي، إذ يصل في قصيدة خيل وجناح إلى سبع وأربعين مرة  ،خمس وأربعون مرة  مستعملا  أداة العطف (و) ثلات مرات أداة العطف (أو) مرة واحدة فقط في نصّه  طاف في خيالي، إذ يقول الشاعر:
ما حوى فؤادي
غيره و لا لي
من هواه إلا
هجره ليالي
لم يكن ليستقيم المعنى في هذه المتتالية  لو حذفنا أداة الربط (و)، كما ساهمت أدوات الربط الأخرى وفي مواضع مختلفة من الديوان في اتساق نصوصه الشعرية-رغم هيمنة الواو كما أشرنا سابقا -ولا غرابة في ذلك، إذ تعد الواو أصل حروف العطف لكثرة دورانها في النّصوص العربية ، كونها  لا تدل على أكثر من الاشتراك بين المتعاطفين في الإعراب والحكم  في حين أن بقية الحروف الأخرى توجب الزيادة في المعنى .
ولأنّ الأمثلة كثيرة ومتنوعة سنورد هنا مقطعا من قصيدة  خيل وجناح:
سل " الصغير" وسل " مستعصما"
هل يرجع الملك معزف ودنّ
" وناصر اليعربي" هل نبا
كرا على " البرتغالّ فاستجنوا
وسل  بني " الصين" و"الفيتنام" هل
هم ضيعوا وطنا ؟ لم لم يزنوا
   في هذه المتتالية  التي جمع فيها الشّاعر بين شخصيات تاريخية متباينة من حيث القيمة والعمل، فالصغير هو "أبو عبد الله الصغير" آخر ملوك الأندلس الذين  سلموا غرناطة  لفرديناند وإيزابيلا، والمستعصم هو آخر الخلفاء العبّاسيين الذي سلّم بغداد للمغول، وربطهما بمحرر عمان والخليج من الاحتلال البرتغالي، ليقارن بين شخصيتين حكمتا أكبر دولتين وضيعتا الملك، وبين البطل  العماني الذي وحّد القبائل  وجمع شتاتها وحرّر معظم أراضيها من الاحتلال البرتغالي، وهو ناصر اليعربي" رأس الأئمة  اليعاربة ومؤسس دولة عمان الحديثة ،أصله من قبيلة يعرب، إحدى قبائل اليمن التي استوطنت عمان منذ القديم، ولد بالرستاق، المدينة الروحية عند علماء المذهب الإباضي... وفي العقد الثالث من عمره تألق نجمه...لفت بنزاهته وتدينه أنظار العلماء ورؤساء القبائل بالوقت الذي كانت تواجه فيه البلاد ظروفا محلية ودولية حوّلت عمان إلى ساحة صراع... وانتهى الأمر  بتقسيمها إلى مناطق...فاجتمع أهل الحل والعقد من العلماء وشيوخ القبائل سنة1624 وبعد التداول اتفق الجميع على اختيار ناصر بن مرشد اليعربي إماما على عمان" فكان استعمال أداة الربط الواو للترتيب  الذي يجعل القارئ في وضع مقارن خصوصا وأنها أسماء فارقة في التاريخ العربي "فالأحداث التاريخية و الشخصيات التاريخية ليست مجرد ظواهر كونية عابرة ،تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي فإن لها إلى جانب دلالتها الشمولية الباقية والقابلة للتجديد على امتداد التاريخ في صيغ وأشكال أخرى""إن الشاعر يختار من شخصيات التاريخ ما يوافق طبيعة الأفكار و القضايا والهموم التي يريد أن ينقلها إلى المتلقي" ساهم الوصل الإضافي في هذه القصيدة التي اخترنا منها بعض الأبيات للاستدلال فقط  في اتساق القصيدة إذ ربط العناصر التركيبية في النّص ووشحها بدلالات كبيرة .