الإثنين, 19 نوفمبر 2018

مناقشات حول "ضوابط الرصد في التحليل الإعلامي الحديث".. ودعوات لتبني مبادرات الشباب الحديثة

"ملتقى الإعلام الجديد" يوصي بسن قوانين مُنظمة للمحتوى الرقمي ورفع مهارات العاملين بوسائل الإعلام

السبت 18 أغسطس 2018 05:08 م بتوقيت مسقط

جابر الحرمي
من الجلسة النقاشية
حضور

◄ الحرمي: الثورة المعلوماتية فرضت على وسائل الإعلام مواكبتها واستثمار فوائدها
◄ الدول العربية غائبة عن اقتصاد المعرفة.. وتفتقد شركات الرصد الإعلامي
◄ بعض وسائل الإعلام تفتقر للمهنية والمصداقية بسبب "اللهث وراء النشر السريع"

 

أُسدل الستار على أعمال ملتقى "الإعلام الجديد والعصر الرقمي"، في دورته الأولى بصلالة بعنوان "إعلامنا.. هويتنا"، وذلك تحت رعاية المكرم الشيخ محمد بن أحمد الرواس عضو مجلس الدولة، وبتنظيم من جريدة "الرؤية"، وشركة الرعاية الأولى لتنظيم المؤتمرات والندوات.
وخرج الملتقى بحزمة من التوصيات التي تمخضت عنها أوراق العمل والمناقشات المستفيضة ومداخلات الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي. وأوصى الملتقى بسن تشريعات منظمة للإعلام الجديد ووسائل الإعلام الرقمية، بما يؤطر لمنهجية عمل واضحة المعالم، من حيث حقوق وواجبات كل الأطراف المنخرطة في العملية الإعلامية. ودعا المشاركون في الملتقى إلى العمل على توفير منصات تدريب حديثة، تشتمل على برامج تدريبية في مجالات الإعلام الجديد؛ مثل: البث الرقمي والتحرير الإلكتروني وصناعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، وآليات رصد وقياس الرأي العام. كما تضمنت التوصيات إنشاء جهة معنية بالإعلام الرقمي لتولي مسؤولية تنظيم القطاع، وتوفير أدوات التدريب والتأهيل للصحفيين والإعلاميين.

صلالة - مدرين المكتومية

 

وبدأت فعاليات اليوم الختامي من الملتقى باستعراض للمحور الثالث، الذي جاء بعنوان "أساسيات صناعة المحتوى في المنظومة الإعلامية الحديثة"، وقدم خلاله الإعلامي القطري جابر الحرمي ورقة عمل بعنوان "ضوابط الرصد في التحليل الإعلامي الحديث". واستهل الحرمي ورقة العمل بالإشارة إلى ماهية الرصد في أي قضية أو موضوع، وقال: إن مثل هذا الإجراء يفترض النمط التقليدي القديم، عبر أنظمة تقليدية، وأساليب ربما تجاوزها الزمن، في هذه المرحلة المتسارعة النمو بالمجال التقني، والثورة المعلوماتية والتكنولوجية الهائلة، والتي فرضت على وسائل الإعلام مواكبتها، واستثمار هذه الثورة بما يعزز الحضور الإعلامي في مختلف المجالات؛ بما فيها بالطبع المنصات الاعلامية الجديدة. وأكد الحرمي أهمية أن يتمتع الراصد بالمعرفة الحقيقية، ويدرك أين يقف من القضية التي يبحثها، أو يرصد جوانبها، وفي أي اتجاه يسير؛ بحيث يكون الهدف لديه واضحا، بعيدا عن الضبابية، التي تتسبب في ضياع البوصلة، وتشتت الجهد، موضحا أن تحديد الهدف من الركائز الأساسية لعملية الرصد لضمان معرفة الراصد لحقيقة ما يريد. وحث الحرمي الراصد على أن يستثمر جيدا الأدوات التي يمتلكها، وأن يفعّلها بصورة جيدة، حتى يحصل على أفضل النتائج الممكنة، لافتا إلى أن هذه الادوات الحديثة لا تسهل وتختصر الوقت فحسب، بل وتقدم نتائج أكثر دقة أيضا، إذا ما أُحسن استثمارها. وتابع الحرمي: إنه في جميع الحالات فإنَّ بناء الإستراتيجيات والخطط، يأتي مرتكزا على الرصد وتحليل المضمون بصورة واعية، وبناءً على ما يتم التوصل إليه من نتائج، كما يتم وضع الخطط والإستراتيجيات للمستقبل سواء كانت خططا قريبة المدى، أم خططا بعيدة المدى، مشيرا إلى أن هذه النتائج لن تكون دقيقة إلا إذا كانت المعلومات متوفرة، أي أن المخرجات تعتمد على المدخلات.

مفاهيم الرصد الإعلامي
وأبرز الحرمي جانبيْ تغيُّر مفاهيم الرصد، والمحتوى أو المضمون في وسائل الإعلام؛ حيث أشار إلى أنه وحتى عهد قريب كان الرصد يعتمد على أدوات ورقية وبشرية ورقابية، وهو ما كانت ترتكز عليه الدراسات البحثية. أما في الوقت الراهن فتحوّل الرصد إلى شركات وبرامج وتطبيقات تقنية، توفر أدق التفاصيل والمعلومات عن الأفراد والمجتمعات. وقال: إن شركات مثل فيسبوك وتويتر وجوجل وبوكنج دوت كوم وأمازون، لديها مستوى عالٍ من الرصد لشرائح المجتمعات، وتمتلك تفاصيل دقيقة لحياتنا اليومية، حتى هواياتنا، وما نحب، وأعمارنا؛ لذا باتت هذه الشركات تعرف عنا وعن مجتمعاتنا كل المعلومات التي تبني عليها دراساتها المستقبلية، وهو ما ينقصنا في مجتمعاتنا العربية، التي تفتقر إلى شركات تعمل في هذا المجال. وللأسف، فإن الاستثمار في هذا القطاع يكاد يكون معدوما مقارنة مع أمريكا والغرب، بل حتى الصين وكوريا الجنوبية، بينما العالم العربي ليس له موطأ قدم في هذا المجال.
وأضاف الحرمي: إن الدول العربية غائبة عن اقتصاد المعرفة، رغم أنه اليوم يمثل المحرك لاقتصاد الدول، وبات أن الاستثمار في هذا القطاع يستحوذ على نصيب وافر من رؤوس الأموال ويحظى بنمو عال، مشيرا إلى أن هناك تطبيقات بدأت بأرقام استثمارية متواضعة، واليوم قيمتها السوقية بمئات الملايين والبعض يصل الى المليارات من الدولارات، وغالبية هذه الشركات تعمل في المجال المعلوماتي والخدمي والترفيهي، لكن جميعها يصب في خانة جمع المعلومات الدقيقة. ولفت الحرمي إلى أن هناك في الوقت الراهن ما يشبه "حرب تطبيقات"، ورغم أنها جزء من الاقتصاد المعرفي، لكنها أيضا باتت سبيلا للرصد وجمع المعلومات، وفتح أفق جديد لخطوات مقبلة. وأكد أن من يسيطر على البيانات والمعلومات في عالم اليوم، هو من يسيطر على مفاصل المجتمعات؛ إذ إن المعلومات تمثل الرافد الرئيس سواء للأفراد أو المؤسسات أو الدول لوضع الإستراتيجيات، ووضع خطط تتعامل مع المستقبل، وهذه الشركات- وبفضل لامتلاكها المعلومات والبيانات- أصبحت تسيطر على مؤسسات وشركات قائمة وقديمة. وأوضح الإعلامي القطري أن المراكز البحثية والدراسات في عالمنا العربي لا تزال محدودة الأدوار والتأثير، وقلما تجد صانع القرار في العالم العربي يلجأ إليها، وإذا ما لجأ إليها، فإنه نادرا ما يتم الأخذ بما توصلت إليه، أو الاسترشاد بما تقدمه من مقترحات.
وعرج الحرمي إلى جانب المحتوى أو المضمون في وسائل الإعلام، وقال: أعتقد أن الإشكالية الكبرى اليوم تكمن في المحتوى الإعلامي، فهناك ضخ إعلامي هائل، لكن السؤال: هل هو ضخ "معلوماتي" حقيقي، أم أنه في كثير من الأحيان، وفي كثير من جوانبه، مجرد غث، لا يسمن ولا يغني من جوع؟".

فقدان المصداقية
وأعرب الحرمي عن أسفه نتيجة لفقدان الكثير من وسائل الإعلام للمهنية والمصداقية، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي؛ حيث بات نشر الخبر دون تمحيص أو تدقيق أمرا عاديا، لا يمثل جريمة بحق المجتمعات، حتى بعض وسائل الإعلام الرسمية، لم تعد تتحلى بالرزانة وتتحرى الدقة، بل أصبح البعض منها يلهث خلف النشر دون تحري الدقة والمصداقية والمهنية، وأصبح جزء من المشهد الإعلامي مفبركا، وبالتالي بات لدينا ضخ إعلامي هائل، يقابله تراجع في المهنية والمصداقية.
وعلَّل الحرمي أسباب تجاوز الكثير من المنصات الاعلامية لدورها المهني، والركض خلف "الفبركات" بهدف الترويج لنفسها، دون مراعاة لدور الاعلام الحقيقي، أو الالتزام بمهنية او ميثاق شرف مهني، بأنه ناتج عن الفضاء المفتوح، والثورة التقنية الحالية، والقدرة على الإفلات من العقاب. وأكد أن هذا التصرف اللامسؤول لا يفقد فقط وسائل الاعلام مصداقيتها، بل أيضا يخلق جيلا يتسم باللامبالاة ويستسهل نشر المعلومة دون تدقيق، ولا يهمه مدى صدقية المعلومة، ولن يبذل جهدا للتأكد منها، مؤكدا أن هذه مشكلة كبرى؛ إذ إن خلق جيل لا يقدر أهمية التأكد من المعلومة قبل نشرها، ولا يعمل حسابا لما قد يترتب على ذلك من تدمير لفرد أو أسرة أو مجتمع أو مؤسسة أو حتى جهد حكومي، يمثل مشكلة خطيرة.
واختتم الحرمي ورقة العمل قائلا: إن انعقاد هذا الملتقى في دورته الأولى تحت عنوان "إعلامنا هويتنا"، يعكس التوفيق في الاختيار، إذ إن هويتنا تدفعنا لتحري الدقة والتزام المهنية والعمل بمصداقية، وهذا ما يجب ترسيخه في مؤسساتنا الإعلامية، وكل من ينتسب إلى الجسد الإعلامي بكل صوره، إعلاما تقليديا إن صح التعبير، أو إعلاما جديدا من شبكات تواصل ومنصات بث رقمية، لافتا إلى أن هذا هو التحدي القائم في ظل هذا الفضاء المفتوح، والإعلام القادم من الخارج، أن نبني جيلا يلتزم بمهنية الإعلام ومصداقيته.
أعقب ذلك جلسة نقاشية، شارك فيها كل من: الإعلامي القطري جابر الحرمي، وفيصل بن سعيد القلم اليافعي مخرج ومقدم برامج بإذاعة وتليفزيون سلطنة عُمان، والحسن بن علي المرهون محام ومستشار قانوني، فيما أدارت الجلسة الإعلامية جيهان بنت عبدالله اللمكية المذيعة بتليفزيون سلطنة عمان.
وناقشت الجلسة كيفية وضع أساسيات لصناعة المحتوى في منظومة الإعلام الجديد، وماهية المعايير المهنية التي يتم على أساسها رصد المحتوى الإعلامي، ودور نتائج الرصد الإعلامي الحديث في كشف الأزمات ووضع الحلول لها. وسلطت الجلسة الضوء على "ميثاق الشرف الإعلامي"، الذي طرحه الإعلاميون العمانيون مؤخرا، وما إذا كان الميثاق يتضمن آليات للتعاطي مع إشكاليات وتحديات الإعلام الجديد، وإلى أي مدى يلتزم العاملون في الإعلام العماني بالميثاق؟