الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

مقال : الخيار الصحيح في الممكن المتاح

الأربعاء 01 أغسطس 2018 05:18 م بتوقيت مسقط

 

عبيدلي العبيدلي

من الطبيعي جدا أن يكثر الجدل في المجتمعات النامية أمام التحولات التي تشهدها تلك المجتمعات. والسبب الأساس الذي يفسر هذه الظاهرة هو أن هذه المجتمعات مضطرة إلى الأخذ بالمنهج البراغماتي كونها ما تزال في المراحل المبكرة من مراحل نموها وتطورها. ومن ثم فهي بخلاف المجتمعات المتطورة التي مرت بالحالة ذاتها في مراحل طفولتها التنموية، وبالتالي فهي، أي هذه الأخيرة، قد دفعت الضريبة قبل أن تنعم بالاستقرار الذي يعمها اليوم.

ومن المصطلحات التي يكثر تردادها في المنتديات السياسية، التقليدية والسيبرانية، كلمة "البراغماتي"، سواء عندما ينعت أحد الأفراد، أو حين تصنف إحدى القوى السياسية النشطة في المجتمع.

والبراغماتية كما تجمع عليها نسبة عالية من مصادر الفكر السياسي، عندما نستخدم هذا المصطلح في السياسة، واصفين من نتحدث عنه  بالبراغماتية، هي "النفعية أو من يغلب الجانب العملي على النظري والجانب النفعي على المبادئ... أما الأصل اللغوي للمصطلح فيرجع إلى الكلمة اليونانيةProgma  وتعني (عمل) أو (مسألة عملية)، ولقد استعار الرومان المصطلح واستخدموا عبارة Progmaticus  فقصدوا بها (المتمرس) وخاصة في المسائل القانونية .أمّا من ناحية تاريخ الفكر فالمصطلح يشير إلى تلك الحركة الفلسفية التي ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وارتبطت بأسماء الفلاسفة الأمريكيين بيرس ووليام جيمس وجون ديوي والتي تتمركز فلسفتها حول مقولة مؤداها :لا يمكن التوصل إلى معاني الأفكار، ومن ثم لا يجب تفسيرها".

وما أضفى على البراغماتية الصيغة السلبية، كما ورد على موقع "المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي"، هو خروجها، "من الإطار الفلسفي إلى التطبيق السياسي، عندما أصبحت التفكير المسيطر على السياسة الخارجية الأمريكية وعلى الحركة الاقتصادية في المجتمعات الغربية. لقد جردت دوائر صنع القرار الأمريكية المفهوم الأخلاقي للبراغماتية، وخصوصاً إبّان الحرب العالمية الثانية، فبالنسبة للمدرسة السياسية الأمريكية، ليست الأخلاق هي من تنظم العلاقات الدولية بل مصالح الدول فيما بينها، فكل دولة لها مصالحها القومية العليا التي تسعى لتحقيقها على حساب الدول الأخرى".

لكن هناك من أمثال ميثاق مناحي العيساوي، من يرى في البراغماتية وجها إيجابيا يخالف، إلى حد بعيد تلك النظرة التي أشرنا لها أعلاه. فهو ينسبها إلى " المدارس التي تؤمن باختلاف الآراء وعدم ثباتها في السياسة والدين والاقتصاد والعلوم الطبيعية، وأنّ الصدق والكذب والحق والباطل والصواب والخطأ، كلها مفاهيم نسبية وليست مطلقة، كذلك هناك ما يميز هذه المدرسة أو الفلسفة بأنّها فلسفة مستقبلية لا تنظر إلى التاريخ والماضي بل إلى الحاضر والمستقبل".

وعلى نحو مواز، تذهب ربى الحسني إلى ما هو أبعد من ذلك في رؤية الجانب الإيجابي لمصطلح البراغماتية، حين تشدد على أن البراغماتية ترى "أن العقل لا يبلغ غايته إلا إذا قاد صاحبه إلى العمل المفيد. فالفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة، أي الفكرة التي تحققها التجربة، وكل ما يتحقق بالفعل فهو حق، ولا يقاس صدق القضية إلا بنتائجها العملية".

وهناك بعض المصادر التي تجمع، بشكل مشترك، فيمن يتبنى الفكر البراغماتي، الذي "قد يكون نزيها يحد من الفساد المالي والسياسي في البلد، وقد يتسم بنسبة متفاوتة من العدل، .... والسياسي البراغماتي قد يفلح في تحقيق نجاحات في المجال الاقتصادي والمجالات المتعلقة بحقوق الناس الخ، والسياسي البراغماتي قد يكون متدينا في بعض النواحي من حياته الشخصية، .... إلا أن السياسي البراغماتي ليس مبدئيا، ولذلك لن يرقى أبدًا إلى قيادة بلده لتكون ذات سيادة ذاتية مستقلة وخارجة عن هيمنة الدول المبدئية القوية في العالم، بل السياسي البراغماتي يدور دائما في فلك الدول القوية المهيمنة على العالم!  وهنا تظهر عِلَّة ونقصان البراغماتية".

ولو حاولنا إضفاء الجانب الإيجابي على السلوك البراغماتي، فبوسعنا الذهاب إلى القول إن جوهر البراغماتية هو الوصول إلى القرار الصحيح، دون الخروج أو التمرد على الحيز المتاح، ومن ثم فالقوى السياسية الناجحة هي تلك القوى التي تمسك بين يديها مجموعة من أوراق النجاح، مستخدمة البرغماتية سلاحا نظريا في تحليلاتها وسلوكها. ويمكن تلخيص كل ذلك في النقاط التالية:

  1. تقويم علمي صحيح لموازين القوى السياسية الفاعلة في المجتمع، سوية مع الاقتصادية المتحالفة معها، أو التي تقف وراءها. على أن يكون ذلك التقويم شموليا بحيث لا يحصر نفسه في الحضور البشري، والتنظيمي لتلك فحسب، بل يوسع من نطاقه، كي يكون جامعا وعاما، فيغطي الجوانب الاجتماعية والتحالفات المجتمعية التي تدور في فلكها.
  2. تشخيص دقيق للنسبة الذاتية التي تشكلها قوة معينة مقارنة مع القوى الأخرى الضالعة في ساحة الصراعات القائمة. وهنا لا بد من توخي الكثير من الحذر كي لا تأتي النتائج مغايرة للواقع نتيجة لنرجسية غير مطلوبة، أو أوهام لا تستند للواقع.
  3. قراءة المشهد الوطني في إطاره الإقليمي والدولي، وليس معزولا عن أي منهما، خاصة في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات التي دمرت الحدود الجغرافية المعترف بها، وتجاوزت الضوابط الزمنية المتعارف عليها.
  4. تحاشي الوقوع فريسة سهلة لتصور أحادي غير قابل للتغيير، واللجوء بدلا من ذلك إلى رسم السيناريوهات المختلفة التي تبيح لواضعها من الانتقال من الخطة ألف، إلى الخطة باء، في حال تغير الظروف، أو عند مواجهة أي عامل طارئ لم يرد حسابه عند وضع التصورات.

ولو تصورنا ما عرفته المنطقة العربية من أحداث، خلال السنوات السبع الماضية، وما ترتب عليها من نتائج، سنجد أن الكثير منها لم يكن سببه، كما قيل، المدخل البراغماتي لمعالجة الأحداث، وقراءة المشهد، بل كان عائد لعدم تطبيق ذلك المدخل، على أسس علمية، ومن منطلقات دقيقة، ومن ضمنها عدم إمساك تلك القوى بالأوراق السليمة التي تعينها على القيام بذلك العمل على الوجه الأكمل.