السبت, 17 نوفمبر 2018

مقال : علّموا أبناءكم ما لا يعلمون عن وطنهم

السبت 28 يوليو 2018 09:16 م بتوقيت مسقط

 

مسعود الحمداني

[email protected]

علِّموا أولادكم -أيها السبعينيون- عن حياتكم قبل السبعين، خبروهم كيف كانت قسوة الحياة، وكيف صارت اليوم، وكيف ضحى الرجال بدمائهم كي يبقى هذا الوطن حرا وشامخا، مرفوع الهامة، يناطح النجوم، ويسمو إلى العلياء، ويكتب تاريخا لم يحلم به مواطن عاش قبل بزوغ شمس النهضة المباركة.

علموهم.. رحلاتكم وسفركم خارج الوطن من أجل الحياة ولقمة العيش، لتطعموهم، وتربوهم، وتدرسوهم.. أخبروهم عن مغامرات الهجرة، وصعوبة استخراج الجواز، ومعاناة الوصول إلى أرضٍ ليس لكم فيها يد ولا لسان، صوروا لهم الغربة القاسية، والعمل هناك ليل نهار، لكي تعودوا -بعد حين- إلى حضن القرية، مُحمَّلين ببعض الهدايا والقروش، ثم تبدأوا رحلة أخرى، ومغامرة جديدة لأجلهم.

علموهم.. عن الأمراض التي لا علاج لها في ذلك الحين، وعن المستشفيات التي لا وجود لها في الولايات، وعن معاناة جيلكم حين تزاحمكم الأوبئة، وتحاصركم الأسقام، ولا يتوافر لكم غير الطب التقليدي، ومستشفى وحيد في مسقط، وآخر في صلالة، ولا تجدون للوصول إليهما سبيلا.

علموهم.. كيف كانت الحرب في ظفار، وكيف ضحَّى الرجال البواسل هناك بدمائهم، وأرواحهم ليحموا عرين الوطن. احكوا لهم عن شجاعة هؤلاء الرجال وصلابتهم، وكيف كتب الله النصر لقوات السلطان المسلحة وأبناء القبائل المخلصين في العام 1975م، ليشرق على عُمان فجر جديد، وتبدأ قصة كفاح أخرى لا تنتهي ضد الجهل والمرض والفقر والتخلّف.

خبروهم.. عن التعليم الذي لم يكُن متوفرا إلا للقليل في مسقط وصلالة، وعن الجهل المطبق، والأمية المتفشية، وكيف كانت بعض الجهات تستغل أبناء السلطنة الدارسين في الخارج ليكونوا لهم أذرع، وليجنّدوهم ضد بلدهم بحجة إخراجه من تخلفه، ووجدوا في حالة البلاد في ذلك الحين مرتعا خصبا لإقناعهم بتلك الأفكار، ثم كيف عادوا إلى حضن وطنهم بعد السبعين بعد أن رأوا واقعا جديدا، وانخرطوا في بناء وطن لطالما حلموا به.

خبروهم.. عن منازلكم في تلك الفترة، وعن تنقلكم على ظهور الدواب من مكان لآخر، ومشقة الوصول إلى مدن وقرى عُمان، ومدة الأسفار التي كنتم تقطعونها، وكيف كانت مسقط ومطرح مدينتي أشباح بعد المغرب، وكيف كانت بقية أجزاء الوطن تعيش في ظلام دامس دون كهرباء، وكيف كان التواصل صعبا بين الناس.

علموهم.. كيف كانت لحظة وصول السلطان قابوس -حفظه الله- وخطابه الأول، ووعوده التي قطعها وأوفى بها، وعن عزيمته، وتضحياته، وتصميمه على النصر، لبناء مستقبل زاهر لبلدٍ لا موارد فيه إلا القليل، وكيف بدأت الخطوات الأولى لهذه المنجزات الجبارة، وكيف صب جلالته اهتمامه الأول على التعليم، والخروج من كهف العزلة، وحروبه الكبيرة والكثيرة والمختلفة على كل الجبهات العسكرية والمدنية لكي تصبح عُمان قبلة الزمان، ورائعة المكان في أسرع وقتٍ ممكن.. فكان له ما أراد، بحكمته، ووفاء شعبه، والتفافهم حول قيادته.

علموهم.. أن هذا الذي يعيشونه اليوم لم يتحقق بسهولة، ولم يأتِ ببساطة، وأنه نتاج مسيرة صعبة وقاسية من العزيمة والصبر، وأن الذي يرونه في وقتهم الحاضر من ترف الحياة لم يأتِ دون تضحيات، ولكنه جاء بسواعد رجال نحتوا الصخر، وضحوا بالغالي والرخيص، لكي يحيا أبناؤهم حياة مستقرة وسعيدة، وينعموا بمستقبل أفضل.

علِّموا أبناءكم.. أنَّ هذا الوطن أمانة في أعناقهم، وأنه قويٌّ بهم، وهم أقوياء به، وأنه حضارة عظيمة ضاربة في جذور التاريخ، عليهم أن يفتخروا به، وأنه ممتد حد الأفق، فارعٌ حد السماء، مملوء بالمجد، ومجبولٌ على العظمة.

علموا أولادكم.. أن هذا الوطن ملكٌ لهم، وأنهم عبيدٌ له، فيه يحيون، وعلى ترابه يموتون، فليحافظوا على منجزاته، ولتبقى أعينهم ساهرة عليه، وتبقى قلوبهم معلقة به.

علموهم.. الكثير والكثير عن ماضٍ قاسٍ وصعب، وحاضر مشرق، ومستقبل واعد.

ولتحيا عُمان حُرَّة أبية عظيمة، وليحفظ الله السلطان المفدَّى، ويمد في عمره أعوامًا وأعوامًا.. وكل عام والجميع قلب واحد في وطن واحد.