الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

رجلٌ من طراز آخر

الخميس 26 يوليو 2018 08:50 ص بتوقيت مسقط

رجلٌ من طراز آخر

أسامة حداد – شاعر وناقد مصري

 

لا يفكر في المشي على الماء،
ولا يجمع الموتى فوق شجرةٍ،
دخل مرة في ذاكرة المرايا
وخرج خاويًا،
يجادل الحوائط عن إداركها،
والمقاعد عن رغباتها الآثمة
يجرب صوته للتأكد من حياته،
ويحمل بطاقةً صالحةً لعامين قادمين...
رجل مختلفٌ تمامًا
يقدم حبوب الذرة للتماثيل،
ويحتسي وحده في البار،
يضع ظله في لفافةٍ
ويدخن بشراهةٍ،
لا يملك ملامحَ صالحةً للرعب،
ولا تنتظر عنقه مشنقةً
يفكر في ارتكاب جريمةٍ
فعلها الأخرون...
اشترى بعض الحماقات من السوق
وورث مؤامرات ضده
ويرتدى موسيقى غير لائقةٍ
بالمناسبات الرسمية،
رجلٌ مختلفٌ تمامًا،
حتى وهو يهمس لجميلةٍ احبك
أو يطلق قبلاته في الهواء،
ويترقب وصولها لجميلةٍ
لا تستخدم كثيرًا أحمر الشفاه...
رجلٌ مختلفٌ تمامًا،
يجهز أحلامه لأعمالٍ قاسيةٍ،
ويصنع طائراتٍ ورقيةٌ،
وبوارج ملونةً
لحربٍ لن يخوضها،
وينسق رهاناته في مزهريةٍ،
لا ينسي تحطيمها،
قبل أن ينام في رعاية حبتين من المنوم،
ويري أصدقاءه
والأرصفة تلتهم أقدامهم
وقرر بعدها وضع نظرية جديدة
تساعد في صناعة مشروبٍ
من تفاحة نيوتن
وعرضه للبيع،
واستدراك سحابةٍ إلى قفصٍ بالشرفة،
كبديلٍ مناسبٍ لطيورٍ مزعجةٍ،
فشل في ترجمة أغنياتها،
و الليل يترك رئتيه على المنضدة،
قبل أن ينهار باكيًا،
تحت تأثير الطعنات القادمة من المصابيح،
وانحرافٍ متوقعٍ لعدسةٍ،
لا تجيد التقاط الأشجار بمهارةٍ،
وتكشف عن مشاعر التماثيل
وعهر الحوائط،
واندماج حلمين في صندوق للمخلفات.
لعينةٌ هي الحياة
الكلمة الأخير ة لشخصٍ لا يصلح
لقيادة المتظاهرين إلى حتفهم
ولا الأساطير إلى حقيقتها،
يتأرجح بمعدةٍ عرجاء،
ولسانٍ يصلح كمهبطٍ للطائرات،
وأفكارٍ بلاستيكيةٍ
تنقصها الشجاعة.
فما الذي دفع جارتي البدينة
لتطرق الباب بأصابع لصةٍ
وتخفي ضحكةً صاخبةً
داخل فطيرةٍ،
ورغبتها في علبة سجائرَ
والستائر تطلق طيورها في ليلةٍ باردةٍ،
وغزالةٌ في السجادة تهز رأسها،
كنت أعرف أن حرارتي قاربت الأربعين
وأنها لا تحمل غير شفقةٍ طازجةٍ
وأغنية وحيدة تأتي كل ظهيرة من مطبخها،
وقطة تئن على الدرج
و الباب لم يعد بريئًا كما عرفته دائمًا،
وحماقتي تنبت في الجوار،
هنالك حيث الشوارع تتسلل على أطراف الأصابع،
الملابس تتخلص من ألوانها،
والعقارب تُلوح للساعة من بعيدٍ،
والشمس تستريح فوق منضدة
ولم يكنْ المساء بالجودة التي أريدها
والانتظار لعبة الغائبة
ووسيلة لأحلام تزرع شجرها برأسي،
والنبؤة الأخير ة غاضبة
يبدو أن أشباحًا أكثر واقعيةً
يحلقون حول لافتةٍ تحذر من الاقتراب،
والمصفحات تشارك في سباقٍ للدراجات الهوائية،
كل هذا لا يؤثر في كهلٍ
يفتش عن ساقيه للخروج من المقهى،
ويبحث عن طريقٍ صالحٍ للمضغ .