الخميس, 20 سبتمبر 2018

مقال : الأعراس الجماعية

الأربعاء 18 يوليو 2018 05:28 م بتوقيت مسقط

الأعراس الجماعية

 

 

محمد بن حمد البادي

 

من الأمور التي تبعث في النفس الفرح والسرور تلك الإعلانات التي تطالعنا بها بعض وسائل الإعلام أو برامج التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى من بعض الولايات أو المناطق أو الأندية الرياضية أو المؤسسات التي تعلن فيها عن تنظيم عرس جماعي للشباب ـ من أبناء تلك الولاية أو المنطقة ـ الراغبين في الزواج، وهنا ندرك تماماً أن ثقافة المجتمع في هذا الشأن بدأت تتغير إيجابياً، وتسير بخطى ثابتة نحو حياةٍ أفضل، لكن حتى الآن تبقى خطواتها متقاربة، وتسير نحو الأمام بوتيرةٍ بطيئةٍ جداً وبشكلٍ لا يرضي الطموح، فكم من أقلام نادت وأصوات تعالت...حتى بحَّ صوتها.. ولا زالت تنادي .. من أجل تغيير رؤية أبناء المجتمع لصالح إقامة أعراس جماعية والتقليل من الفردية ولكن..

قد أسمعت لو ناديت حيّاً.. ولكن لا حياة لمن تنادي

ولعل السبب الرئيسي في ذلك هو الثقافة العامة للمُجتمع وعدم تقبل بعض الشباب لفكرة أن يكون حفل زواجه من خلال عرس جماعي، فلا يزال بعض الشباب يُفاخر بآبائه وأجداده ويرفع عقيرته أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ويشير إلى شجرة الأنساب المعلقة على جدار مجلسه ويقول بأعلى صوت ـ متباهياً بحسبه ونسبه ـ أنا من آل كذا ومن قبيلة كذا، رافضاً رفضاً قاطعاً أن يكون زواجه من خلال العرس الجماعي، بل مستنكراً هذه الفكرة، ملقياً بقيم التعاون والتكافل الاجتماعي خلف ظهره، ثم تجده غارقاً في الديون من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بسبب المصاريف الزائدة التي لا داعي لها والأعباء المادية المرهقة لحفل الزواج.

لو اقتربنا قليلا.. وسلطنا الضوء على هذا الجانب المهم من واقعنا الذي نعيشه .. لوجدنا أمامنا أسئلة كثيرة تفرض نفسها .. فمثلاً .. لماذا لا يتم التخطيط لزواج أحمد و(أخيه) محمود و(ابن عمه) أسعد (وابن خاله) مسعود في ليلة واحدة؟.. وستكون الفرحة أكبر لو انضم إلى هذه القائمة قريبهم سليمان وصديقهم خلفان وجارهم سلطان (هذا فقط كمثال). وكلما زاد عدد العرسان في القائمة كلما كانت البهجة أكبر وكان الحفل أجمل وأروع.

هل هي الرغبة في التميّز والتفرد في عرس خاص؟ وأن يغلَّف حفل الزواج بطابع الخصوصيَّة والعائليَّة والأهليَّة؟

أم أنَّ سبب ذلك من أجل أن يبقى العريس هو محط الأنظار وهو صاحب الحفل، وأن يكون سيد تلك الليلة ونجمها الأوحد؟

كم ظلمنا أنفسنا عندما ضيعنا أموالنا بالتبذير والإسراف من أجل مفاخرةٍ زائفة أو كرمٍ مستعار، إني أكاد أجزم لو أن حفل الزواج (هذا) كان في نفس الليلة (عرس جماعي).. ستكون التكاليف والأعباء المادية أقل.. ومظاهر البذخ والترف والإسراف والتبذير التي تعودنا عليها في مثل هذه المناسبات تكاد تكون شبه معدومة .. بل بذلك نحن نساعد على زيادة ترسيخ قيم التعاون والتآلف والتكافل الاجتماعي التي كدنا أن نفقدها بين أفراد المجتمع.

إنَّ عادات وتقاليد الأعراس تختلف من مجتمع إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى بتغير أسلوب العيش ونمط الحياة وثقافة أبناء المجتمع.. وهنالك تغييرات كبيرة تسببت في المبالغة في تكاليف الأعراس .. من أجل ذلك يجب أن نشجع الشباب على الإقبال والمشاركة في الزواج الجماعي ولابد من توعيتهم بالإيجابيات من خلال وسائل الإعلام المرئية أو المقروءة أو المسموعة، من أجل تغيير ثقافة أفراد المجتمع للحد من التقليد الأعمى للغير.. مع ضرورة الاهتمام بتنمية ثقافة ترشيد الإنفاق والابتعاد عن البذخ والمظهرية والتباهي وغيرها من السلوكيات الخاطئة.

إن تنظيم الأعراس الجماعية له إيجابيات كثيرة فهي تقلل من أعباء وتكاليف الزواج بدرجة كبيرة جداً.. كما تعتبر باباً مهماً لتوفير آلاف الريالات.. وتساعد في تكوين أسر جديدة متماسكة ومستقرة بعيداً عن الديون، وتعمل أيضًا على توعية الشباب بالتفكير الصحيح نحو الابتعاد عن البذخ والإسراف للهروب من الديون التي يتحملها العريس في بداية حياته، وبذلك تهدي النفس سكينة وطمأنينة واستقراراً.. وقائمة الإيجابيات تطول وتطول.

كما أن الأعراس الجماعية أصبحت ضرورة ملحة في الوقت الراهن، ولها أبعاد اجتماعية عديدة، فهي تجسد روح التعاون المشترك، وترسخ قيم الترابط والتآلف الاجتماعي في المجتمع، وهناك الكثير من الدواعي التي تحثنا على الاهتمام بهذا المجال سواء الدينية المتمثلة في حث الدين الإسلامي على التعاون والتكافل الاجتماعي أو الأعراف والتقاليد العربية. من أجل ذلك يجب العمل وبشكلٍ جاد على توعية وتشجيع الشباب للإقبال عليها، كما يجب العمل على رفع مستوى ثقافة أبناء المجتمع في هذا الشأن ونشر الوعي بينهم بتوظيف وسائل الإعلام المختلفة، وأن تتكاتف الجهود الوطنية على المستويين الشعبي والرسمي في تنظيم هذه الأعراس على مستوى كل ولاية أو منطقة أو قرية صغيرة أو نادٍ رياضي ثقافي اجتماعي بخططٍ مدروسة وبرامجٍ معدة.. والأجمل من ذلك أن يخصص لها يوم أو موعد سنوي محدد ومعروف لدى الجميع، سواءً كان على مستوى الولاية أو المنطقة أو القرية أو النادي.

ومؤسسات القطاع الخاص يجب ألا تقف في معزل عن المجتمع، بل لا بد أن يكون لها حضور قوي ودور بارز في الوفاء بالالتزامات المجتمعية الواجب النهوض بها،، فيجب على هذه المؤسسات باختلاف درجاتها ومجالاتها وتخصصاتها أن تكون شريكاً فاعلاً في بناء المجتمعات، وأن تؤدي المسؤولية الاجتماعية الواجبة عليها كاملة. ورعاية ودعم وتنظيم الأعراس الجماعية هي جزء مهم من هذه المسؤولية الاجتماعية؛ وهنا يجب الإشادة ببعض الشركات الوطنية الخاصة التي خصصت لها برامج واضحة في هذا الشأن، فلها تحية شكرٍ وتقديرٍ.

 

إنَّ إقامة وتنظيم الأعراس الجماعية تبقى في مراحلها الأولى وتتخذ شكل المبادرات الفردية غير المنظمة، وهذا يعني أن الطريق لتحقيق المسؤولية الاجتماعية في هذا الشأن ليس طريقاً مفروشاً بالورود وإنما يحتاج إلى تعاون كبير على المستويين الرسمي والشعبي، كما يحتاج إلى قناعات ذاتية من كافة أفراد المجتمع بأهمية هذا الجانب المشرق في حياتنا، وقناعة أن هناك شرائح واسعة في المجتمع تحتاج إلى كل الدعم والمساندة لتعيش حياة كريمة.