السبت, 20 أكتوبر 2018

مقال : "المونديال" ملكية عامة.. فلِم الاحتكار؟!

السبت 02 يونيو 2018 06:09 م بتوقيت مسقط

 

 

أحمد السلماني

ينُوء العالم بالكثير من المآسي والويلات والتجاذبات، وتأثير ذلك يمسُّ بشكل مباشر الإنسان أيًّا كان وضعه الاجتماعي، غنيًّا كان أم فقيرًا. ولأنَّ السعادة والحزن أقدار قلة من البشر تستطيع تطويعهما، فإنَّ الملايين الكثيرة منهم يلجأون للملاجئ والمغارات التي تنسيهم ما كابدوه من ضنك العيش، ومن مآسي النزاعات والحروب والتجاذبات السياسية، هذه الشريحة الإنسانية البسيطة والمغلوبة على أمرها، هي وقود ذلك والضحية الأولى له، وأول ملجأ ومغارة لها إنما هو كرة القدم، بسحرها وجماليتها، فكيف إذا كان ما سيشهده العالم بعد أيام قليلة هو "أكبر وأقوى تظاهرة وبطولة عالمية في كرة القدم"، المخدر ذو التأثير القوي والفعَّال لكي ينسى البشر كل معاناتهم؟! فكيف إذا كان من يلعب اليوم مثلا منتخب بلاده، 4 أعوام وهو ينتظر بشغف أن تنطلق البطولة العالمية العريقة والوحيدة التي يجتمع عليها العالم، وفيها تتنافس أفضل وأقوى المنتخبات، والتي ستجود بأفضل وأمهر لاعبيها، في منافسة يقال إنها شريفة وجميلة على كوكب الأرض، وفي المستطيل الأخضر، وشرسة بل وقبيحة في الفضاء؟!

منطقتنا العربية، وما أكثر شريحة الكادحين بها، حتى إن نصفهم تقريبا لا يملكون ثمن "كيلو السكر" ليصنع له كوب شاي، هم أكثر شعوب العالم تضررا من احتكار شبكة واحدة لحقوق البث التليفزيوني، فقد اشترت شبكة "بي.إن سبورت الرياضية" القطرية، حقوقَ بث مباريات: كأس العالم 2018 و2022، وكأس أمم أوروبا، وكأس أمم آسيا، وكأس أمم إفريقيا، ودوري أبطال أوروبا، ودوري أبطال آسيا، ودوري أبطال إفريقيا، وبطولات دولية وقارية وإقليمية ووطنية، ومنافسات الأولمبياد حتى عام 2022، بقيمة مالية تجاوزت 10 مليارات دولار أمريكي على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يثير الاستغراب، سيما وأن 21 دولة عربية لا تملك حق الوقوف ضد هذا الاحتكار.

ومقارنة بما يحدث في أوروبا مثلا، فإنَّ دولها وقفت وبقوة -وبالطرق القانونية- لتقنين عملية التشفير، وفرضت على القنوات مالكة حقوق البث أن تبث مباريات كأس العالم تحديدا بالمجان فضائيا، فضلا عن بثها أرضيا، ففي إنجلترا مثلا فرضت الحكومة على مالكتي حقوق البث "بي.بي.سي" و"أي.تي.في" بثَّ مباريات كأس العالم 2014 بالبرازيل مجانا؛ وذلك على خلفية قرار محكمة العدل الأوروبية في حق الدول الأوروبية أن تختار المنافسات الرياضية التي تبث، والتي ترى أن لها أهمية بالغة بالنسبة لسكانها، وإتاحتها مجانا لهم، علما بأن بلجيكا تعتبر من الدول التي سعت قضائيا في الحفاظ على حقوق المشاهدين في البلاد بالمشاهدة المجانية لكافة مباريات المونديال واليورو دون عناء الاحتكار القسري.

الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA وحده المسؤول الأول والمباشر لما يحدث، بعد أن طغت لغة المال والرأسمالية على القيم الرياضية والرسالة الأولمبية النبيلة للرياضة بشكل عام وكرة القدم صاحبة الشعبية الجارفة والأولى بشكل خاص، المؤسف حقيقة أن تلك الأموال إنما ذهبت في بنود الفساد والتي ظهرتْ وطفتْ على السطح في السنوات الأخيرة، ولم توجه لتطوير كرة القدم في الدول الفقيرة والشعوب المقهورة والتي تحتاج دعمَ الفيفا في إنشاء البنى الأساسية لكرة القدم على أقل تقدير.

رسالتان باسم شعوب العالم، أتمنى أن تصلا.. الأولى للسيد إنفانتينيو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم: "أما وقد ظهر لكم جليا أن ريع حقوق البث قد ذهب إلى غير وجهته السليمة سابقا، فمن الأولى أن تتمكن شعوب العالم من متابعة كأس العالم تحديدا، دونما تشفير أو احتكار؛ فهي ملكية عامة والعالم من انتخبكم للمحافظة على حقوقه".

الرسالة الثانية لشبكة قنوات "بي.إن سبورت": "الشعوب العربية تفخر وتفاخر بكم العالم بوجود شبكة تليفزيونية عربية قوية لها حضور طاغ عالميًّا، وشبكتكم مُتخمة بالحقوق الحصرية لعديد البطولات، فجودوا على الشعب العربي الكادح بكأس العالم، ولتكتفوا بريع الدعايات والإعلانات؛ فهذه ستتجاوز كلفة شراء حق البث وزيادة، و"احسبوها صح"، مؤكد شعبية الشبكة ستزداد".