السبت, 17 نوفمبر 2018

القراءة وقود الفكر

الثلاثاء 29 مايو 2018 04:22 م بتوقيت مسقط

القراءة وقود الفكر

نورة المالكية

يقول المفكر إبراهيم البيومي: "لا يقبل الإسلام أيَّ مَسَاس بالحرية؛ لأنَّ أي مساس بها يزلزل إنسانية الإنسان. والإسلام يريد للإنسان أن يكون حرًّا كاملَ الحرية؛ لأنَّ أعظم مصالحه تحقق حريته الكاملة، ولأن حريته الكاملة تكفل تحقيق أعظم مصالحه، وتؤكد مبادئ الإسلام وتعاليمه على أن أي إضرار بالحرية يفسد تعبير الإنسان عن ذاته، وأن الإنسان لا يكتمل إدراكه لنفسه إلا بالتعبير الحر عن فكره، وأن التطور الروحي غير ممكن دون اتصال حر بالآخرين، وتبادل الفكر؛ فلا يجوز تقييد الحرية، ناهيك عن الانتقاص منها، أو إلغائها بحجة تصحيحها..." (ص:122).

والحرية تبدأ حين يفتح الإنسان عقله على القراءة، والاطلاع، والبحث. والباب الذي يصبح مفتوحًا على عقول الآخرين يزداد أفقه، وتتوسع حواسه لما وراء الحدث، وتستشعر نفسه لذة التعاطي مع الحياة بأوجه كثيرة لا مع درب واحد منغلق ومسدود وضيق.

ولا وصاية ولا سيطرة ولا تحكم في تفكير الإنسان وعقله وقراءاته، ولا فِيْم يقول، وماذا يفعل، أو ماذا يقرأ؛ لأن الله تعالى يقول عن السنة الكونية التي تختصر هذا المعنى -معنى الحرية الفردية الفكرية والعقلية المسلمة: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس:99). وأيضًا يقول الله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (هود:118)، وأدب الاختلاف المقصود هو أن يعود كل اختلاف في الأرض إلى حكم الشارع كما في قوله الله تعالى: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب" (الشورى:10).

وهذا هو هدي القرآن الكريم والدعوة الربانية ومقاصد الشريعة الإسلامية أن يفتحا على الإنسان بفتوح القراءة والنظر والتدبر والملاحظة والتأمل. فسورة "العلق" شاهدة على هذا الرقي بالإنسان العاقل المبدع كما في قوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (العلق:1-5).

ومفاهيم القراءة تتعدى في حدودها الأفق الضيق؛ فهناك قراءة المصادر الأولى، ألا وهي الكتب وأولها كتاب الله -القرآن الكريم- ثم الكتب البشرية في مجالاتها المتنوعة الفسيحة. إضافة إلى القراءة المتأمِّلة في ملكوت الله تعالى السابح بالجمال والدهشة والفضول، حيث يقول الله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ" (آل عمران:190)، وأيضًا: "إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ" (الزخرف). وثمرة القراءة تتجلى في آيات قرآنية كثيرة منها: يقول الله عز شأنه: "فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ" (الأنعام:77)، وكذلك قال تعالى: "الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُم اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُم أُولُوا الأَلبَابِ" (الزمر:18)، وأيضًا: "رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ" (آل عمران:191).

والقراءة التي نقصدها هي القراءة التي تقوم على مساءلة العقل، والنظر في الأحداث والمرويات والتاريخ والطبيعة والجغرافيا والدين والفلك والطب...إلخ. إن القراءة الحقيقية هي قراءة ما وراء النص، واجترار الأسئلة، والتعمُّق في المعنى، وتفكيك العناصر من النص ونقدها، وهي استلهام الأفكار الإبداعية، والتجديد في الفكر؛ منعًا للتحجر والسكون والجمود.

والقراءة فضاء واسع وكبير ومتجدد، وعالم متحفز من السؤال والنقد، ولو علم الإنسان كيف تتكشف للقارئ من قراءاته إجابات على أسئلة وجودية وكونية، وكيف أن هذه القراءة تعرّف الإنسان بمدى جهله وحاجته الملحة إلى المعرفة والقراءة والاطلاع أكثر فأكثر، مصداقًا لقول الله تعالى: "وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل:78). "والحكمة ضالة المؤمن" والطريق إلى المعرفة والقراءة وطريق البحث عن الحقيقة وهو وقود الفكر.