الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

الصيام.. كف عن الأكل والشراب وتوقف عن ارتكاب المعاصي

الثلاثاء 22 مايو 2018 04:13 م بتوقيت مسقط

الصيام.. كف عن الأكل والشراب وتوقف عن ارتكاب المعاصي

أحمد الجرداني

يقول سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، حاثًا المسلمين في هذا الشهر العظيم: إنكم في شهر التقوى، إنكم في شهر عظيم فضله، عميم خيره، متواصلة بركته، موصولة برحمة الله لياليه وأيامه، شهر جعله الله سبحانه وتعالى ميقاتاً لأمر جليل، أخرج به هذه الأمة من الشتات إلى الوحدة، ومن الظلمات إلى النور؛ إذ أنزل فيه سبحانه وتعالى كتابه الكريم، وجعله بينات من الهدى والفرقان، يقول الله سبحانه: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" وناهيكم بها مزية لا تُسامى، وفضيلة لا تساجل؛ فإن القرآن الكريم مصدر كل خير، وينبوع كل سعادة، وأساس كل فضيلة؛ فالله تعالى يقول: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ"، ويقول تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا"، ويقول عز من قائل: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ". وقد ربط الله سبحانه بين امتنانه على عباده بإنزال القرآن في هذا الشهر الكريم وبين فرضية صيامه؛ عندما قال عز من قائل إثر ذلك الامتنان: "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، وفي هذا ما يدل على أن الصيام يُعين الذين يؤدونه على الوجه المشروع على الاضطلاع بأمانة القران والقيام بحقوقه؛ فإن الصيام طهارة للنفس؛ إذ هو يؤدي إلى تقوى الله سبحانه كما تؤدي إليها سائر العبادات، فالله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".

ويؤكد سماحة الشيخ على مراعاة الحرمات؛ حيث يقول: ولئن كان الصيام يؤدي للتقوى، والقران الكريم يأمر بالتقوى؛ فإن الإنسان بصيامه الحق الذي يراعي فيه حرمات صيامه، وحرمات الشهر الكريم، وحقوق الله الواجبة عليه؛ يضطلع بأمانة التقوى، ويقوم بتكاليف القران حق قيام؛ ذلك لأن الصيام تدريب للإنسان على الخير، ونهنهة له عن الشر؛ إذ هو ليس مجرد الكف عن الأكل والشرب ومواقعة النساء فحسب، بل هو بجانب ذلك أيضا ضبط النفس، وقيْد الجوارح عن معاصي الله الظاهرة والباطنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صوم إلا بالكف عن محارم الله"، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وهذا يعني أن على الصائم أن يمنع نفسه من الزور قولاً وعملاً، فلا يأتيَ بشيء من الأقوال التي يحرمها الله ويكرهها، ولا يأتي بشيء من الأفعال التي تجانب أمر الله تبارك تعالى، إنما عليه أن يتقيد في قوله وفي عمله بما أنزل الله تعالى من حكم، وأن تكون أعماله كلها دائرة في إطار الفضيلة، أما الذين يخالفون هذا الأمر ويطلقون لألسنتهم العنان، يغتابون هذا، وينمّون على ذلك، ويذكرون ذلك بالسوء؛ فإن صيامهم ليس من الصيام المشروع في شيء، وكذلك الذين يطلقون لجوارحهم العنان في ارتكاب معاصي الله، الذين لا يغضون أبصارهم عن الحرام، ولا يمنعون أسماعهم عن سماع القول الهُجر، ولا يمنعون أيديهم عن تناول محرمات الله تعالى، كل أولئك ليس صيامهم من الصيام المشروع في شيء، وإنما غاية ما يصلون إليه من الصيام الجوع والظمأ فحسب، أما الصائمون الذين يخشون الله تعالى ويتقونه؛ فهم الذين يلتزمون أوامر الله، وينهون أنفسهم عن كل محارمه، ويتباعدون عن كل خطاياه؛ لأنهم يعلمون أن الصيام طهارة، والمعصية رجس، والرجس والطهارة لا يجتمعان، فلذلك يحرصون على أوامر الله سبحانه وتعالى.

ولئن كان هذا الشهر الكريم شهرا اختاره الله سبحانه وتعالى لأن يكون ميقاتا لنزول القرآن على قلب النبي الخاتم محمد -عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام- فإنه ليجدر بالمؤمن أن يتملى هذا العهد العظيم الذي هو صلة بينه وبين ربه خلال هذا الشهر الكريم؛ ليحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقف عند حدوده، وينطلق من توجيهاته وإرشاده؛ فإن القرآن الكريم هو مصدر خير الإنسانية بأسرها، فهو حبل موصول بين العباد وبين ربهم كما جاء في بعض الروايات: القرآن سبب بيد الله وسبب بأيديكم؛ فهو صِلة بين العباد وبين الله سبحانه وتعالى عندما يتأملون ما فيه من مراشد وخير، ويقفون عند حدوده، ولا يتجاوزونها إلى ما بعدها، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرض القرآن الكريم في شهر رمضان على جبريل عليه السلام، وكان إبان ذلك أجود ما يكون بالخير؛ كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عندما قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان عندما يلقاه جبريل يعرض عليه القران.

وللموضوع بقية بإذن الله تعالى...