الجمعة, 16 نوفمبر 2018

مقال : مركز عُمان الثقافي

الثلاثاء 22 مايو 2018 04:06 م بتوقيت مسقط

 

د. سليمان المحذوري

لعلّ الحديث عن مركز ثقافي في السلطنة لا يُعد جديدًا؛ حيث تمّ تدشين مركز نزوى الثقافي الذي يتبع وزارة التراث والثقافة على أن يتم إنشاء مراكز ثقافية أخرى في عدة محافظات. كما أنّ هنالك مشروع مجمع عُمان الثقافي المقرر إقامته بمنطقة مرتفعات المطار، والذي لم ير النور بعد ومن المؤكد أنّ الأزمة الاقتصادية الراهنة ألقت بظلالها على كثير من المشاريع ومن بينها الثقافية. وفي محافظة ظفار تمّ انشاء مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه (يتبع مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم)؛ بهدف توفير بيئة ملائمة للشّباب لمزاولة مختلف الأنشطة الثّقافية والرياضية والترفيهية.

وربما ما جعل أهميّة المراكز الثقافية تطفو على السطح زيارتي لجمهورية كوريا الجنوبية في منتصف شهر نوفمبر من العام الفائت برفقة زميلي في وزارة التربية والتعليم د. محمد العلوي. كانت الزيارة قصيرة لمدة ثلاثة أيام عمل؛ إلا أنّها كانت كفيلة بتعريفنا على جانب من الحضارة الكورية وثقافتها وما تتميز به من تقدم اقتصادي وتكنولوجي وتعليمي. تضمن البرنامج زيارات متعددة لجهات مختلفة تربوية وثقافية وحضارية؛ وفي هذا المقال لن أتعرض للبرنامج المكثّف لهذه الزيارة وإنما سأتطرق لبعض المشاهد التي لا تزال عالقة في ذهني والتي أرى من المناسب عرضها في هذا المقام لمدى ارتباطها بالفكرة المطروحة في بداية المقال.     

فخلال اليوم الثاني وفي الفترة المسائية تحديدًا زرنا المكتبة الوطنية التي تقع في العاصمة سيؤول. وهي مكتبة ضخمة بتصميم رائع تشغل مساحة كبيرة مع المساحات الخضراء وتتكون من ستة طوابق أُنشئت عام 1945م. ومما يلفت الانتباه أنّ هذه المكتبة بالإضافة إلى وجود الكتب بشتى أنواعها والدوريات والمجلات هي عبارة عن متحف مصغّر وأرشيف في آن واحد يعرض المخطوطات والوثائق إلى جانب الأعمال الفنية لمشاهير كوريا الجنوبية في الأدب والشعر وغير ذلك. كما يوجد بالمكتبة قسم مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة مزود بالتسهيلات اللازمة لهذه الفئة، ووجود قسم خاص للمكتبة الإلكترونية يضم أجهزة حواسيب بشاشات كبيرة لعرض المواد الفيلميّة المتوافرة بالمكتبة، وكذلك لاستخدام شبكة المعلومات العالمية "الإنترنت". كما تقوم المكتبة بتلخيص بعض الكتب المهمة وعرضها لمرتادي المكتبة باللغة الكورية، وفي المكتبة أيضاً كابينة مخصصة لاستخدام الهواتف منعًا لإزعاج مرتادي المكتبة.

والشيء بالشيء يذكر فخلال إقامتي لمدة ثمانية أشهر عام 2011م في مدينة أمريكية صغيرة تسمى Provo في ولاية يوتا Utah كنت كثيرًا ما أتردد على مكتبتها العامة التي كانت تتكون من طابقين الطابق الأول مخصص لجميع مرتادي المكتبة بما فيهم الأطفال الرضع، أمّا الطابق الثاني فتم تخصيصه للقراءة والمطالعة، إلى جانب وجود قاعة مخصصة لإقامة مختلف المناسبات الثقافية والاجتماعية. وهذا يقودنا إلى أهمية وجود المراكز الثقافية أو المكتبات العامة كمصدر اشعاع ثقافي وعلمي للمجتمع. ذكر المكرم حاتم الطائي في مقال له بعنوان "الثقافة والتنمية" المنشور في هذا الجريدة في 7 أبريل من هذا العام ما نصّه "إنَّ الحاجة الماسة لمكتبة وطنية عامة لابد أن يظل الهاجس الحاضر في الفعل التنموي خلال الفترة القريبة المقبلة، باعتبارها الذاكرة المركزية للدولة، والمركز الثقافي والمعلوماتي الذي يعكس تراثنا وتطورنا، ونحن أحقُّ في هذا بما نملكه من مخزون ثقافي يمتد لآلاف السنين، من دول انتبهت إلى أهمية إقامة هذا الصرح واعتبرت إنشاؤه واجبا وطنيا، فيما خصصت دول أخرى -التي لا تسمح إمكاناتها الاقتصادية والبشرية- بجعل إحدى المكتبات المحلية الكُبرى هي القائم بمهام ومسؤوليات المكتبة الوطنية."

وبالتالي فإنّ انشاء مركز ثقافي متكامل في كل محافظة من محافظات السلطنة لم يعد ترفًا؛ وإنما مطلبًا وطنيًا ضروريًا. بحيث يضم المركز مكتبة عامة، ومتحف مصغّر، ومسرح وقاعات للفعاليات والمعارض والمناشط العلمية والثقافية، وقاعات للعلوم والابتكارات، وقاعات عرض تفاعلية لجذب انتباه الناشئة باستخدام الرسوم ثلاثية الأبعاد، وقاعات مخصصة للأطفال على أن يتم تسمية القاعات بأسماء شخصيات عُمانية لها إسهامها في مجال من المجالات السياسية والعلمية والفكرية وغيرها. 

إلا أنّه بسبب الأوضاع المالية الراهنة أتفهم أنّ مسألة إنشاء هذه المراكز إلى جانب كلفة التشغيل قد ترهق ميزانية الدولة، وبالتالي لعلّه من المناسب البحث عن حلول وبدائل أخرى بشأن الكلفة المالية على سبيل المثال بناء شراكة حقيقة مع القطاع الخاص لتبني هذه الفكرة والوصول إلى تفاهمات مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص فربما نصل إلى نتيجة إيجابية في هذا الصدد. في المجمل نتمنى بالفعل أن نرى هذه المراكز الثقافية منتشرة في كل أرجاء عُمان ولو بشكل تدريجي نظرا لأهمّيتها في نشر العلم والمعرفة، وفي تنشيط الحراك العلمي والثقافي في كل محافظة، فضلاً عن صون التراث الحضاري العُماني.

[email protected]