الجمعة, 21 سبتمبر 2018

مقال : صناعة الفرص.. لا انتظارها!

السبت 10 مارس 2018 10:52 م بتوقيت مسقط

 

الصندوق المطلوب التفكير خارجه تتقاطع أضلاعه مع رؤية وحلم كل فرد منَّا وتعامله مع واقعه المهني والمجتمعي والمعرفي

 

نريد أن يكون الإبداع والابتكار ثقافة متجذرة داخل الجميع في المرحلة المقبلة، بكل ما يشتمل عليه ذلك ويستدعيه من خُطى أسرع

 

نأمل أن تتجذر "ثقافة المبادرة" في المجتمع بأكمله... لدعم النمو الاقتصادي وتحقيق الازدهار والرخاء

حاتم الطائي

الشواهدُ المترجِمة للتوجُّه الحكومي الواسع والمُمنهج نحو تبنِّي سياسات دعم الابتكار، لا تبرهن فقط على حجمَ الإدراك الرسمي للتحديات التي تفرضها الثورة المعلوماتية، بقدر ما تُؤصِّل أيضاً لفكرٍ وقناعةٍ جديدة بأنَّ تحديات المستقبل لم يعُد مُمكناً مُواجهتها بخطط الأمس، وأنَّ الحاجة لإبداع أفكار جديدة ووضع منهجية مُستحدثة للتعاطي مع مثل هذه التحديات، هي السبيل لمواكبة أي تطوُّر؛ سواءً بأفكار تتخطَّى طور التقليد، أو كثقافةٍ مجتمع تقوم على فكرٍ يأخُذ بزمام المبادرة وصِناعة الفُرَص؛ فيزيد وعي أفراده بالصعوبات والتحديات المُحيطة، ويُعِين في رحلة البحث عن حلول خارج الصندوق.

ومصطلح "التفكير خارج الصندوق" على شيوعه، يُلازِمه خطأ اقترانِه في عقلية المواطن بالتفكير الحكومي وحده، أو ما يجب أن تتضمنه الخطط والإستراتيجيات التي يعقدُ عليها آماله لتلبية تطلعاته، وهي نظرة لا تُحصي جانبًا كبيرًا من أبعاد الصُّورة؛ فالصندوق المطلوب التفكير خارجه تتقاطع أضلاعه مع رؤية كل فرد منَّا وتعامله مع واقعه: المهني والوظيفي والمجتمعي والمعرفي، ومن قبلها جميعًا دوره الوطني وبصمتِه الخاصة على مسيرة التنمية. وهو ما يقود لفكرة "الإنسان المُبادر" كثقافة مُجتمعية يتفاعل فيها وبها الإنسان مع محيطه، ثقافة تقوم على الفعل وليس رده، التأثير والتأثر المتبادل بين جميع الأطراف؛ فالتجارب على كثرتها أثبتت أن القوانين وحدها لا يُمكن أن تُشجِّع على المبادرة، ما لم تكن هناك ثقافة داعمة واعية، يتمُّ تأسيسها في مكونات النظام التعليمي وأساليب التنشئة الاجتماعية ووسائل الإعلام وثقافة المجتمع أو ما يُطلق عليه الثقافة العامة، تتيح الفرص وتفتح الآفاق وتوسِّع مجالات الإبداع وتنمِّي مهارات الأفراد، وترفع القدرات الداعمة لزيادة مستويات الجودة، وتدفع نحو مستويات مُتقدِّمة وإيجابية للطموح وإدراك الذات، إذ ليس المعنيَّ هنا انتقال شكلي للمجتمع من مرحلة إلى أخرى؛ بل تطوير الذهنيات وآليات التفكير في التعاطي مع المستجدات وصناعة الأفضل دائمًا.

وهي مجتمعة تشكل مطلبًا ملحًّا، لا يستقيم حديث عنه دون جعل الإبداع والابتكار واستخدام التِّقانة وتطويع وسائل التكنولوجيا، قاعدة الانطلاق الجديدة أمام الأجيال الحالية واللاحقة، وحثهم على التفكير عميقاً، واختراع أشياء ذات أهمية تخدم الوطن، وتدعم خُططه ورؤاه المستقبلية، وتوظِّف ما تجود به عقولهم في مختلف المجالات، من خلال منحهم الفرصة لكي يفجروا طاقاتهم بقدرات وأساليب أكثر ملاءمة لروح العصر، وأشد قدرة على مواجهة التحديات وتخطي الصعاب.

إنَّ أي حديث عن الإبداع والابتكار في السلطنة، لا ينبغي أن ينحصر في توفير أجوائه للشباب فحسب، بل من المهم أن يتحول إلى اتجاه لصناعة ثقافة مجتمع -كما سبق وذكرت- مُؤمن بكليهما تمام الإيمان، خصوصاً وأنَّ أي تصنيف للدول وفق مؤشرات الابتكار والإبداع، يتم بتحديد متوسط مؤشرين فرعيين؛ أولهما: "مؤشر المدخلات" الذي يقيس عناصر الاقتصاد المجسَّدة في الأنشطة المبتكرة، والتي يتم رؤيتها وفق خمس ركائز؛ هي: قدرة المؤسسات الفاعلة، وحجم رأس المال البشري والبحوث، ومدى توافر البنية الأساسية، وحجم التطور في السوق، وفي الأعمال. في حين أنَّ المؤشر الثاني متعلق بالمخرجات الخاصة بطبيعة المعرفة والتكنولوجيا والمخرجات الإبداعية والتطبيقات المرتبطة بها.

أي أننا نريد أن يكون الإبداع والابتكار ثقافة متجذرة داخل الجميع في المرحلة المقبلة، بكل ما يشتمل عليه ذلك ويستدعيه من خُطى أسرع، وجهود أكبر لبناء إستراتيجيات جديدة، وإجراء مراجعات وإضافات للموجود القائم، والاسترشاد بتجارب عالمية، لإيجاد بدائل كفيلة للصعود بالسلطنة نحو الصدارة. إننا نريد بيئة مجتمعية حاضنة للأفكار البنَّاءة المتطوِّرة، ترعى أصحابها وتُصقلهم. لا نريد أجيالا تنتظر الفرص التي تُتاح أمامها، بل يصنعونها هم، وينتزعونها بروح مُثابرة تسعى لإثبات الذات؛ فمجالات الإبداع والابتكار في السلطنة لا تزال بِكرًا؛ والفرص أمام المبادرين واعدة.. سمعنا ورأينا نعم عن نماذج ناجحة كافحت لتأسيس مشاريعها بعيدًا عن التقليد وغياب الرؤية المستقبلية، لكننا ما زلنا نرى غيرهم يُبارحون أماكنهم في بداية الطريق، إما أنهم يُمارسون "ثقافة انتظار" دعمٍ يُبصرون به وجهتهم، أو أقعدَتهُم عزائم لينة عن أن يخطوا خطوات للأمام، فكان محصلة ذلك نتاجاً سلبيًا لن يقود لشيء سوى نظرات إحباط وتحسُّر على فوات الفرصة، وسِجِل إنجازات خاوٍ إلا من ندب الحظ وإلقاء اللوم على الظروف والمجتمع.

نريدُ أجيالاً تستوعب أهدافها كما تستوعب مطالبها، أجيالًا متسلحة بالإرادة القوية والرغبة الجسورة التي تُحيي أمنياتها وتتخيلها مُتحقَّقة، فتبدأ رحلة اتخاذ القرار، مُحدِّدة إطارا زمنيًّا مبنيًّا على أسس واقعية، متعرفة على إمكانياتها، ومرتبة ذخيرة مواهبها وأدواتها؛ دارسة المصاعب المتوقعة من أجل تحققها على أرض الواقع، بفعل رغبتهم المشتعلة بداخلهم؛ وإيمانهم بأنَّ بإمكانهم اختيار ردود أفعالهم، وأن عليهم أن يتجاهلوا كثيرًا من السلبيات التى تُعيق تحقق أهدافهم، فتجعل رُوحهم المبادرة صفةً مُتأصلة تقودهم نحو تحقيق إنجازات تلو الأخرى بخطوات متتالية، وبيقين وإيمان ثابتين.

وعلى قدر ما نأمله من أن تتجذر "ثقافة المبادرة" في المجتمع ككل، وبشكل عام يشمل جميع أفراده، إلا أن نسبة الـ27.6% التي تُمثلها فئة الشباب من إجمالي عدد العُمانيين، تفرض ضرورة إفرادَ مساحة من الحديث عنهم ولهم؛ إذ إنَّ النمو المتسارع في نسب الشباب في مجتمعنا، يحمل في طيَّاته بُشريات أمل لعمليات دفع أكبر للنمو الاقتصادي وتحقيق الازدهار والرخاء إذا ما أُحسن استثمارهم، وتقفُ تجربة منطقة جنوب شرق آسيا دليلا على أنَّ تنامي نسب الشباب سهلٌ توظيفه كعامل إيجابي في تعزيز التقدُّم، وتدعيم أركان الازدهار؛ من خلال تسخير عوامل قوته وإبداعاته في مختلف المجالات.

وإن أردنا لهذا الجيل الفتي أن يلعب دوره الحقيقي، فلا بُد أن نهيِّئ لهم فرصَ قيادة المستقبل، ونُعدَّهم لذلك؛ عبر نوعية التعليم المناسبة التي تنمِّي فيهم روح الإبداع والابتكار بعيدًا عن التلقين والحفظ، وأن نوفر لهم فرص العمل الملائمة التي تحقق ذواتهم، وتعينهم على الإسهام الحقيقي في تنمية ونهضة وطنهم، وأن نتيح لهم فرصَ التدريب على المهارات المختلفة، عبر زيادة الاستثمارات في مجال التنمية البشرية؛ بما يؤهلهم لأداء مهامهم وواجباتهم العملية على أفضل وجه؛ وبالتالي يتسنَّى لهم تحقيق تطلعاتهم.. وحينما أتحدث بلسان الجمع، فأعنِي كلَّ الأطراف ذات العلاقة ابتداءً من البيت والأسرة والمدرسة والجامعة، وصولا للقطاعين العام والخاص بعموم مهامهما ومسؤولياتهما الوطنية والاجتماعية.

ولهُم نسدي نصحًا بأنَّ ما تحملوه من فكر متجدِّد وطاقات كامنة، باستطاعتها قلب الموازين على أرض الواقع، وما عليكم سوى أن تستعدوا أيما استعداد، لتكونوا سَوَاعد بانية، بعمل دؤوب ونشاط مستمر وعقول متجددة، تستقبل الأفكار بكل حفاوة وعنفوان، تبتكر وتبدع، من أجل صنع الأفضل.. فإرداتكم، وأهدافكم، واكتشافكم ذواتكم، وتخطيطكم الجيد، وترتيب أولوياتكم، وتحمَّل مسؤوليكم، وبالعمل الجاد، والتحلي بالتفكير الإيجابي، وخلق المتعة في العمل والتفوق والإنجاز، كل هذه المؤهلات الذاتية مُحفِّزات تَصْنَع دواخلكم وتستحثكم لبذل المزيد من أجل الوصول للقمة والتميُّز. وأنَّ فكرة أن تكونوا مبادرين، تتطلب منكم أن تكونوا على قدر كبير من المعرفة والابتكار، فالمعرفة هي رأس المال الفاعل والمهم في تطوير قدراتكم ومهاراتكم، بينما القدرة على الابتكار واستخدام تكنولوجيا المعلومات هي مُتطلب أساسي لرفع سقف طموحاتكم؛ وشبكة الإنترنت هي مصدر أساسي اليوم للمعرفة، مُتوفرة على أجهزة هواتفكم وفي قبضة أيديكم، حاولوا أن تستثمروها جيدًا للتعلم والتدريب والتأهيل والاستفادة من آخر ما توصل إليه العالم من حولكم، بعيون لا تكل عن البحث والتعلم؛ فمسيرتنا نحو التنمية الوطنية على أعتاب مرحلة جديدة من المشروعات العملاقة نريد أن نُنفذها بسواعدكم.. والمهم أنْ نعاهد جميعًا أنفسنا بأن ننتقل من مقاعد المتفرجين إلى المؤدِّين الفاعلين، ومن انتظار الفرص إلى صناعتها واقتناصها.