السبت, 17 نوفمبر 2018

مقال : المورد البشري العُماني في فكر جلالة السلطان..! (1)

السبت 24 فبراير 2018 11:06 م بتوقيت مسقط

 

≥ البيان التاريخي الأول مرحلة فاصلة في بناء عُمان الحديثة.. عنوانها ووجهتها الرئيسية بناء الإنسان العُماني

≥ الجولات السامية تكريس لوقائع غير مسبوقة أُتيحت فيها فرصَ التحاور المباشر للمواطنين مع القائد لعرض ما يرونه دون حواجز

≥ نهج الحكمة الذي أصَّلت له مضامين الفكر السامي في رعاية الموارد البشرية نموذج يخرج عن طور التوجيه إلى النفاذ على أرض الواقع

≥ سعيٌ حكومي مُتواصل لتوفير المقومات اللازمة لرفاه المواطن حتى يتمكن من أداء دوره الوطني على الوجه الأكمل

من النطق السامي

1970م: "سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء"

1972م: "المهم هو التعليم حتى ولو تحت ظل الشجر"

1974م: "الإنسان هو صانع التنمية ويجب أن يكون هدفها إسعاده وإعداده"

1977م: "إننا إذا أردنا أن نضمن لبلدنا القيام بدوره كاملا... يجب علينا أن نعد أجيالنا الصاعدة للمهام والمسؤوليات التي تنتظرهم"

1989م: "نعيش مرحلة تتطلب من أبناء الوطن أقصى درجات الجدية للقيام بالعبء الأساسي في كافة مجالات العمل"

1989م: "على أصحاب الأعمال في مُختلف القطاعات أن يبذلوا جهودا إضافية وجادة توجد الفرصة أمام المواطنين الراغبين في العمل"

1990م: ‏"لقد كان إنشاء المجلس الاستشاري للدولة تجربة متميزة... أتاحت للمواطن قدرا كبيرا من المشاركة في جهود التنمية"

 

 

 

حاتم الطائي

لا يخلو خطابٌ أو حديثٌ لمولانا حضرة صاحبِ الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- إلا وتتجلَّى من بَيْن سطورِ التوجيه والإشادة، صورةُ بناء الإنسانِ العُماني كحجر زاويةٍ في مسيرة إتمام صَرْح الوطن، وِفْق ثوابت سياسية تؤصِل لتنمية شاملة أساسها الاستثمارُ الأمثل في المورد البشري العُماني، وخطط وبرامج، وسياسات وإستراتيجيات، ترتكز على قواعد عمل واضحة، تضع المواطن في المقدِّمة، وتعتبره محطةَ تقييم أساسية لما تحقَّق من مُنجزات، عبر منهجية تمنحه فرصَ التفاعل والتعاطي مع الواقع. كما كانت لقاءات جلالته- أبقاه الله- في الجولات السامية مع المواطنين، بمثابة تكريس لوقائع غير مسبوقة، أُتيحت فيها أمام أبناء الوطن فرصَ التخاطب والتحاور المباشر مع القائد المفدَّى -أيده الله- وعرض ما يرونه دون حواجز؛ بتلقائية وعفوية يتلمَّس من خلالها القائد الأب اهتمامات وحاجيات أبنائه، موجِّها أجهزة الدولة نحو تحقيق أولوياتهم، وفاءً بالوعد الذي قطعه على نفسه -حفظه الله- في خطابه الأول بتوفير كل سُبل الرعاية للمواطن، وتذليل كافة الصعوبات التى قد تعترض طريقه، حتى يتمكَّن من الإسهام بفاعلية وإيجابية فى تطوير مجتمعه، وبناء قدراته: علميةً كانت، أو عملية، والارتقاء بمستوى مهاراته ليكون مؤهلاً لمزاحمة العالم في مضمار التنافسية الواسع.

إنَّ نهج الحكمة الذي أصَّلت له مضامين الفكر السامي، اقتضى -على مدى يُقارب نصف القرن من الازدهار- أن يظل نموذجَ احتذاء يخرُج عن طور التوجيه فقط إلى التنفيذ عمليًّا على أرض الواقع، فكان ترجمةُ ذلك سعيًا حكوميًّا مُتواصلًا نحو توفير المقوِّمات اللازمة لرفاه المواطن من جانب، وتأهيله لمكافأة الاستحقاقات الوطنية، والانخراط في مواقع العمل المختلفة من جانب آخر، مُهيِّئةً له أعلى درجات الدعم والمساندة، حتى يتمكَّن من أداء مهمته والاضطلاع بدوره وواجبه الوطني على الوجه الأكمل؛ بإيمان راسخ بأنَّ الوطن لا يُبنى دون استثمارٍ حصيف في رأسماله البشري.

وبهذا.. اكتملت ثلاثية الإرداة والتخطيط والتنفيذ، فأسست لعمل وطنيٍّ على مُستويات عِدَّة؛ لبناء كادر وطنيٍّ مُؤهل بُغية ضمان تمكينه؛ ولا تزال مسيرة التشريع المُحقِّق لذلك متواصلة، ومنظومة التعليم مواكِبَة، والبُنى الأساسية مُكتملة، وبرامج التأهيل والتدريب مُثرية، وعمليات التوظيف مستمرة، وخُطط التعمين سارية، وقناعات الجميع أكثر رسوخًا بأنَّ ما يعيشونه اليوم حاضرًا ما كان ليُزهر بغير العُماني، ولا المستقبل يبنيه سواه، ليظل مَلْمَح الرعاية السامية البادي في خطابات وأحاديث جلالته -أبقاه الله- مصدر إلهام أمام مزيد من الكتابات المتعمِّقة، ليس فقط لسبر أغواره واستكناه أبعاده وحسب، وإنما لغرسه قيما تتشبُّع بها نفوس أجيال اليوم، ويشكِّل مرجعًا أساسيًّا لنظرائهم من الأجيال اللاحقة.

 

* العقد الأول (1970 - 1980)

1970م: "سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل".

1972م: "المهم هو التعليم حتى ولو تحت ظل الشجر".

1974م: "أما ثالث هذه التحديات التي نخوضها، وما زلنا، فهو معركة البناء والتنمية والتطوُّر، ولقد كانت خطتنا في هذا المجال طموحة، تستهدف الإنسان العُماني وتعويضه ما فات، وكان عمادها في تنفيذها الإنسان، فالإنسان هو صانع التنمية، ويجب أن يكون هدفها إسعاده، وإعداده، ليعطي بلاده أحسن ما عنده من إنتاج".

1977م: "إننا إذا أردنا أن نضمن لبلدنا القيام بدوره كاملا... فإنه يجب علينا أن نواصل جهودنا لبناء وتعزيز قوة بلدنا، وأن نعد أجيالنا الصاعدة للمهام والمسؤوليات التي تنتظرهم".

1978م: "إنَّ الأعمال التي تقوم بها وزاراتنا في خدمة أبناء شعبنا ذات أهمية حيوية... ومهام توفير حياة كريمة ومرفهة لشعبنا وإتاحة فرص التدريب لشبابنا، وإعدادهم ليكونوا جديرين بتراثهم العظيم... كل هذه الأمور هي أساس قوتنا".

 

لقد مثَّل البيان التاريخي الأول لجلالة السلطان المعظم بكل تأكيد مرحلة فاصلة في بناء عُمان الحديثة، مُختصرًا بكلماته التي نقرأها اليوم رحلةً زمنية بَيْن الوعد والوفاء، بين الطموح في السبعينات وإنجازات الألفية الرَّاهنة.. عنوان هذه الرِّحلة ووجهتها الرئيسية هو "بناء الإنسان العُماني"، المتوفرة له مُتطلباته الحياتية، والرعاية الاجتماعية اللازمة، وتأهيل من يُمكن تأهيله، بعمل مخلص ودؤوبٍ، وَضَع نُصب العين "عامل السرعة"؛ ليصنع أجيالاً تواكب روح ومتغيرات كل مرحلة، وتتجاوب مع مستجداتها، مُستفيدين من مستحدثات ميادين الحياة، دون إغفال المرجعية التاريخية والحضارية المميزة للهُوية العُمانية.

فما يشهده العُماني اليوم من مسار تعليمي مواكب، إنما هو انعكاس واقعي للبُعد الثالث أو بصورة أخرى المعنى العميق لـ"حتى ولو تحت ظل الشجر"، بَدَأت بوضع إطار واضح ومحُدِّد، ووصلت إلى إقرار فلسفة التعليم قبل فترة قريبة بعدما تنامت أعداد المدارس في كافة ربوع الوطن والجامعات والمعاهد والكليات التقنية الواعدة، بمخصَّصات تتخطى اليوم 1.587 مليار ريال عُماني؛ إيمانًا بضرورة تسليح الإنسان العُماني بالمعرفة، كمطلب تنموي مُلح في كل زمان، تحقِّق مُخرجاته المعايير المطلوبة، ويخرِّج أجيالاً على مستويات مُقاربة لأقرانهم بدول العالم المتقدم.

لقد جسَّر جلالته -أيَّده الله- في خطابات العقد الأول، ما يُمكن أن نسمِّيه اليوم الفراغ الحاصل في عالم السياسة، بين: الواقع من جهة، ومنظومة الحُكم الرشيد من جهة ثانية؛ مُؤصلًا -أبقاه الله- لمسيرة تحوِّل أعمق أمام العنصر البشري في تحقيق مسوِّغات النهوض والنماء، كعَصَب، ومحورٍ، وأساسٍ.. فلا تنمية حقيقية بالخُطط وحدها، ما لم يكن المورد البشري عمودها الفقري.

 

* العقد الثاني (1980 - 1990)

1988م: "لقد أولت مسيرتنا عناية كبيرة لإنجاز البنية الأساسية في مجالي التعليم والتدريب، وأكملنا بذلك مراحل مهمة حرصا منّا على إعداد أبنائنا للمشاركة في بناء وتنمية البلاد، وإنه لمن الضروري أن نبذل المزيد من الجهد لتطوير السياسات المتبعة في هذين المجالين؛ بما يخدم توجهاتنا الأساسية للاعتماد على قوانا البشرية في مختلف مجالات العمل".

1989م: "إننا نعيش مرحلة تتطلب من أبناء الوطن أقصى درجات الجدية للقيام بالعبء الأساسي في كافة مجالات العمل بغير استثناء".

1989م: "يتوجب على أصحاب الأعمال في مختلف القطاعات الأهلية أن يبذلوا جهودا إضافية وجادة توجد الفرصة أمام المواطنين الراغبين في العمل، وتساعدهم على اكتساب الخبرة العملية والفنية".

1990م: ‏"لقد كان إنشاء المجلس الاستشاري للدولة تجربة متميزة نابعة من صميم واقعنا العماني، أتاحت للمواطن قدرا كبيرا من المشاركة في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم بها الحكومة".

يُمثل هذا العقد التاريخي من عُمر نهضتنا المباركة، نقطة فارقة في مسيرة الرعاية السامية للموارد البشرية؛ ليس لكونه يأتي بعد سنوات التأسيس الأولى لعُمان الحديثة، وإنَّما كونه تضمَّن ملامح واقعية ملموسة لتحول وطني واسع، واكبه تجديدٌ للعهد بمُواصلة البناء على ما تحقَّق؛ وانعكاس لرغبة أكيدة تشكَّلت من قَبلُ في نهجِ الحكمة السامي.. ولعلَّ مراعاة الجمع بين الواجبات والحقوق، هي سبيل أخرى تُرسِّخ معادلة الاتزان في فكر القيادة الحكيمة؛ فأيُّ محاولة للاستثمار الأمثل في الموارد البشرية، تحتكم في الأخير لجناحين أساسيين: إنسان مؤهَّل يُؤمِن برسالته الوطنية، بقدرة وكفاءة عالية، للتغلب على المعوقات التي تواجهه، وفي المقابل فرصٌ متاحة أمامه تُعينه على إثبات ذاته؛ تأكيدًا على أنَّ الإنسان في كل التجارب الناجحة للأمم والشعوب، هو غاية التنمية: يجني ثمارها، ويسعد بمكاسبها، وهو أيضا وسيلة أدائها الفعالة لتجسيد خططها وبرامجها واقعا ملموسا يحقق الخير للجميع.

إنَّ ما تُرسِّخه رؤية مولانا حضرة صاحب الجلالة تجاه المورد البشري العُماني، لتضعه ضمن المخزون الإستراتيجي الواجب ضمان صونه وإيلاؤه رعاية مستمرة، تستجيب لطموحات الحاضر، وتلبي توقعات الأجيال القادمة، وهو عين ما يقصده مفهوم الاستدامة؛ فصناعة الإنسان كما هي غاية، هي كذلك أكبر تحدٍّ تواجهه القيادات.. وما تحقق طوال السنوات الماضية بلا شك كبير جدًّا، إذا ما قيس بالعمر الزمني للدول والتجارب العالمية، إلا أن القادم بكل تأكيد سيظل ملحمةً وطنيةً جديدة، يُسطِّرها أبناء عُمان خلف قيادة ترعاهم وتكلؤ متطلباتهم بعين الاهتمام.

لقد كانتْ حصيلة تلك الرِّعاية السامية المتحقَّقة للموارد البشرية العُمانية -سواءً خلال العقدين الأول والثاني، أو ما سنأتي على ذكره لاحقًا من عُقود نهوضنا المبارك- مصدرَ إلهام لرسالةٍ وطنية تُسهم بها جريدة الرُّؤية في منظومة أكبر، تكتمل فيها مسوِّغات الدعم والاهتمام، لتضيف إلى سجل مُبادراتها المجتمعية منجزًا جديدًا يُمثله "مُنتدى عُمان للموارد البشرية"، الذي تنطلق غدًا أولى دوراته تحت عنوان "التأهيل والتوظيف والتمكين"؛ برعاية كريمة من معالي الشيخ خالد بن عُمر المرهون وزير الخدمة المدنية، ويهدف لتوفير فرص جديدة لتعزيز مُمكنات التطوُّر المبني على تأهيل الكوادر الوطنية الكفوءة. وسيدير جلسات المنتدى ويقدِّم أوراق العمل فيه كوكبة من ذوي الاختصاص والخبرة، يحاولون معالجة التحديات وإبراز الإمكانات، واستعراض آليات النجاح، إسهامًا منا في وضع خارطة طريق للتحول نحو منظومة اقتصاد وطني، أكثر تنافسية وقوة، تقودها كفاءاتنا الوطنية المؤهلة.