الأحد, 23 سبتمبر 2018

مقال : هل معيار التمايز وفق الميزان المادي مقبول؟

الإثنين 19 فبراير 2018 05:16 م بتوقيت مسقط

عبدالله العليان

قرأنا منذ عدة أيام قليلة عن خطوات يتم التمهيد لها للتطبيق في بعض الجهات الحكومية الخدمية، وتهدف هذه الخطوات لوضع رسوم لمن يرغب في تخليص معاملاته الإدارية والمالية.

والحقيقة أن هذه الخطوة -وما ندري هل طُبِّقت أم لم تطبق حتى الآن- لاقت امتعاضا من قطاعات مهمة بين الموطنين، على اعتبار أن مثل هذه الخطوة ستكون لها آثار غير إيجابية لدى المواطن وقدرته المادية، خصوصا أصحاب الدخول المحدودة في قطاعات كثيرة من الأنشطة والوظائف المختلفة، ومنها أيضا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تعاني من الانكماش في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، إلى جانب أنها ستخلق التمايز بين المقتدر وغير المقتدر، وهذه لها ما لها من مؤثرات غير طيبة، وفي نفس الوقت لا تتفق مع النظام الأساسي للدولة، الذي شدد على العدل والتساوي بين المواطنين؛ فجاء في المادة السابعة عشرة: "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي".

وتندرج المعاملات في القطاعات الخدمية ضمن هذه المادة، خصوصاً العدل بينهم كمواطنين في ظل القوانين السارية في الدولة، وربما هذا التمايز وفق هذه المعايير، تكون للشركات الكبيرة التي لديها القدرة المادية لتسهيل خدماتها، ووفق معايير أخرى، لا تعمم على الجميع؛ لأن القدرات المادية بين الشركات والمؤسسات، تختلف مثلها مثل القدرات الفردية، لذلك مثلا: الشركات الصغيرة والمتوسطة الناشئة، والمتعثر أغلبها، هل من العدل أن نساويها بأي شركة أخرى كبيرة وناجحة؟ ومن هنا، لا بد أن تكون المعايير والمقاييس مختلفة حسب القدرة المالية، أيضا الغالبية من المواطنين يعملون في قطاعات تعتبر أقرب إلى وظائف محدودي الدخل، ومع زيادة الرسوم، وارتفاع أسعار المحروقات، وقلة الحركة التجارية بسبب انخفاض البترول، أسهم بدوره انعكاساً سلبياً على المواطن من النواحي المادية، بصورة أو بأخرى، وهذا يجعل الأمر صعباً، لو تم اتخاذ بعض الإجراءات المادية، زيادة على ما تم تطبيقه منذ العام المنصرم وقبله.

صحيح أن بعض هذه الإجراءات من الرسوم وغيرها، ومن ضمنها دفع مبالغ أكبر لمن يريد تخليص معاملته بصورة أسرع، يراها البعض مقبولة لأنها توفر الوقت لبعض الشركات والمؤسسات التي تريد إنجاز معاملاتها بصورة أسرع؛ كونها توفر لهذه الشركات مردودًا ماديًّا في أحيان كثيرة، وتقلل من خسائرها، لو تأخرت المعاملة لفترة زمنية معينة...إلخ، وهذا الأمر لو تحدد للشركات والمؤسسات المقتدرة فقط، ومن خلال موظفين مخصوصين يقومون بهذا الجانب، فهذا يعد مقبولاً ولا ضير فيه، إن كان لا يُعرقل أو يُسهم في بيروقراطية وروتين، يجعل من النشاط الاستثماري في القطاع الخاص مرتبكاً ومتذمراً، أو لا يجد الحافز الإداري المشّجع للحركة الاقتصادية، أو يثبط من حركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لكونها لا تقدر على المزايدة المادية في تخليص المعاملات، إن كانت الشركات والمؤسسات الكبيرة قادرة على ذلك، ونحن نرى ضرورة عدم إدخال المواطن بصفته الفردية في هذه المزايدة، إن كان هناك جدية في تطبيق هذه الفكرة؛ فالكثير من الرسوم المختلفة التي طبِّقت، وربما غيرها في الطريق، تكفيه من الأعباء المادية، وأعباء الحياة الآن أصحبت كبيرة وثقيلة لا مجال سردها في هذه العجالة، وكثرة هذه الرسوم تُسهم في متاعبه العائلية.

والكثير من التطبيقات التي يتم تعميها في الكثير من دول العالم في ظرفنا الراهن، من قبل البنك الدولي ومن غيره من المؤسسات القريبة منها، تخلق الكثير من المشاكل الاجتماعية مع الوقت، وهم يدفعون بهذه الأفكار، دون مراعاة الحياة الخاصة لكل مجتمع في الكثير من دول العالم، ولا يهمهم ذلك، وهذا يحتاج إلى رؤية واعية، لكل التحولات في عالم اليوم، وبعض التوصيات التي تقدمها بعض هذه المؤسسات خطيرة مجتمعياً، ومن بينها أن بعضها يسهم في اختلال سُلَّم القيم الاجتماعية، بسبب الظروف الاقتصادية، وتجلب المحسوبية والتراتبية الاجتماعية، والتي بدورها تفسد النفوس والأحقاد، وهذه بعيدة -بحمد الله- الآن عن مجتمعنا العماني، المتعاون والمتقارب والمتسامح، لكنَّ الانفتاح اليوم أصبح واقعاً، ولم يعد الباب منغلقاً؛ لذلك علينا أن نكون واعين للكثير من الأفكار والرؤى التي لا تسهم إلا في الشرور والتوترات والمشكلات الاجتماعية.

ونتمنى أن تكون المرحلة المقبلة، وضمن خطط الرؤية المستقبلية 2040، أكثر قدرة على مراعاة النجاح لهذه الخطة، ومن ضمنها اجتثاث البيروقراطية والروتين، وإنهاء كل الإجراءات المعيقة للحركة الاقتصادية والاستثمارية، وحتى بدون فكرة زيادة رسوم جديدة لتخليص المعاملات السريعة، وهذا بدوره سيكون دافعاً للنشاط الاستثماري الناجح؛ فالبيروقراطية تضعف الاستثمار، وربما ضياع فرص استثمارية للتنمية، وتجلب للبلد أضعافَ الكثير من الرسوم التي ربما تكون معيقة ومردودها عكسيًّا، والبعض يسمِّي هذه الإعاقات فسادًا لعدم نجاح التنمية؛ لأنه يُسهم في تراجع الفرص الاستثمارية، وهذا الأمر عانت منه دول عديدة، محسوبة على الدول النامية، وإذا لابد من هذا التطبيق الذي أراه سلبياً، وليس حافزاً للنشاط الاقتصادي والاستثماري، أن لا يكون المواطن في حلبة هذه المزايدة؛ لأنه ليس قادراً على الصمود، لدفع مبالغ أخرى لسرعة تخليص معاملاته.