الخميس, 20 سبتمبر 2018

المجالس العامة.. حصن المجتمع لحماية العادات والتقاليد

السبت 17 فبراير 2018 07:52 م بتوقيت مسقط

المجالس العامة.. حصن المجتمع لحماية العادات والتقاليد

عبري - ناصر العبري

لعبت السبلة أو المجالس العامة دورًا بالغَ الأهمية في المجتمع العُمانى، وكانت تتولى احتواء المتحاورين في مجالاتها، والسمو بأفكارهم البناءة لبناء مجتمع متماسك في قيمه وعاداته، وضبط إيقاع سلوك أفراده، في إطار من الثقافة الدينية والمجتمعية التي لا يشذ عنها شخص إلا وسرعان ما يعود إليه الصواب، فيصب إناؤه في الكلِّ المجتمعي؛ حيث إن السبلة نهضت في ماضي الأيام وحتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين بالعديد من المهام: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، والثقافية، والإيوائية، إلا أنَّ مصطلح "المجلس العام" حاضرًا، و"السبلة العمانية" ماضياً، يتداخلان في مضمون كليهما المجتمعي، وأدوارهما المشتركة المؤدية لخدمة مجتمع محيط بهما، وهو المكان الذي يلتقي فيه أهالي الحي أو القرية مع بعضهم البعض؛ لبحث أغلب شؤونهم، وهي كذلك مضيف لابن السبيل، وهناك سبلة أو سبل خاصة في مساكن بعض الشخصيات الأهلية لاستقبال الضيوف وسواهم.

وفي هذا الصدد، قال الدكتور سعيد بن سالم اليعقوبي: لعبت السبلة أو المجالس العامة العمانية دورا بالغ الأهمية في المجتمع العماني في الماضي، فقد كانت تتولى مهام عديدة؛ منها: التعليمية، والاجتماعية، والتربوية والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، وفي الوقت الحاضر تمَّ استغلالها فقط في الأفراح والعزاء. إلا أن هناك إمكانية لاستغلالها لخدمة أفراد المجتمع في أمور أخرى غير الأفراح والعزاء، كأن تحتوي جلسات نقاشية لبحث أغلب شؤون حياة المجتمع، أو كملتقى ثقافي للمفكرين والأدباء والإعلاميين والطلاب والباحثين؛ للسمو بأفكارهم البناءة لبناء مجتمع متماسك في قيمه وعاداته، والتي من خلالها يتم غرس القيم في أفراد المجتمع، والتقاء الجيل الحالي مع كبار السن ذوي الخبرة، والاستماع لأحاديثهم وافكارهم ورؤاهم؛ لإعداد جيل واع بقيمه وتاريخه وتراثه، وإقامة حلقات علمية لأبناء المجتمع وتنمية مواهبهم، وأيضًا هي ملتقى للتعارف بين الأجيال، وتقوية صلة الرحم، وتعلم استقبال الضيف وإكرامه، وحسن الاستماع، واكتساب العادات والأخلاق الحميدة، وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، وحل الخلافات، وتعزيز الوطنية، وإقامة لقاءات تشاورية وقنوات تثقيفية.

وتابع بقوله: قد يكون سبب عدم استغلالها بعقد اجتماعات ولقاءات أهلية ربما نتيجة التغيرات المتسارعة، وكثرة الأشغال، وعدم وجود الوقت، وتنوع وتعدد القبائل خصوصا في المدن، ولكن لا بد من العمل على تغيير نظرة أفراد المجتمع، وتبيان أهمية المجالس العامة لاستقطابهم لهذه المجالس التي كانت لها فوائد عديدة، وخصوصا الأجيال الناشئة، ولا بد كذلك على الجهات المختلفة المعنية إعادة النظر في تفعيل دور المجالس العامة، وتطويرها وتكييفها مع التغيرات المتسارعة الموجودة؛ لأن تعود مركزًا للتبادل المعلوماتي، وتزويدها بشاشات تليفزيونية ومكتبة عامة، ودراسة إمكانية توفير الإنترنت لتبادل المعلومات، ولمشاهدة برامج معينة يتم تحديدها خصوصا في أيام الإجازات.

من جانبه، قال ماجد بن عبدالله بن راشد العلوي: إن المجالس كانت تُستخدم في السابق لتجمع الآباء والأجداد والأبناء والمشايخ، للتناقش والتدارس فيما بينهم، وفي وقتنا الحاضر وللأسف الشديد لا نشاهد فيها أحدا إلا في المناسبات كالأعراس والعزاء، أو إن تم استغلالها حاليا في المناسبات الدينية؛ مثل إقامة المحاضرات وتدريس القرآن الكريم في الإجازة الصيفية، وكذلك تجمع الأهالي في الأعياد وفي شهر رمضان المبارك.. رغم أنها في الحقيقة لها فوائد كثيرة؛ أبرزها: أن يتلقى الأبناء دروسا عملية في الضيافة والاستقبال، والاستمرارية في تأدية المناسبات، مما يوجد ضرورة أن نجعلها مجالس دائمة لإحياء تراث الآباء والأجداد، فهُم كما علمونا فلنعلم نحن أبناءنا، ونصطحبهم معنا فيها هذه المجالس.

وقال سليمان بن عبدالله بن خميس البادي: دور السبلة الآن شبه منتهٍ لعدة أسباب؛ أبرزها: ارتباط الناس بالوظائف والأعمال ومصالحهم التي تشغلهم، وابتعادهم عن مناطق سكناهم التي تضم أهلهم وأقاربهم وجيرانهم، ووجود المربيات الوافدات في المنازل.. وأضاف البادي: للسبلة دور اجتماعي شمل الصلح في الأمور المالية وقسمة المواريث ورصد أموال الأيتام والأرامل وتوكيل من يُرَى فيه الكفاءة والصلاح والقدرة على حفظها من بين أقربائهم الأقربين، وتوثيقها ومتابعة التزامه بما التزم به. ولكن هذه العادة كادت أن تنتهي، وصارت فقط للأفراح والعزاء، والآن أصبح كل فرد في العائلة له أموره وحياته الخاصة التي لا يتشاركها حتى مع أقاربه.

وقال سليمان بن سعيد بن خلفان الغافري: السبلة والمجالس العامة لها دور بالغ الأهمية في المجتمع، وكانت تتولى احتواء المتحاورين في مجالاتها والسمو بأفكارهم البناء؛ لبناء مجتمع متماسك في قيمه وعاداته. وتعدالسبلة سابقا المكان المناسب للتعارف بين الأجيال وتقويه صلة الأرحام واكتساب طرق الاحترام. فيتابع الأبناء كافة المواضيع والأخبار التي يتحدث عنها آباؤهم وأقرباؤهم وكبار السن، ويستمعون لأحاديثهم وأفكارهم من حيث أداب الحديث وانتقاء الألفاظ...وغيرها. أما الآن، فهذه العادات غائبة في وقتنا لارتباط الآباء بأعمالهم، وابتعادهم لتلك الظروف عن مناطقهم وأبنائهم وأهاليهم وأقاربهم. وأكد الغافري: السبلة مرجع ومحطه التقاء وإحياء المناسبات وأداء الواجبات الاجتماعية في الأفراح والأحزان والمناسبات الدينية والثقافية، وكذلك أيام العزاء، والتي غالبا ما تكون ثلاثة أيام؛ حيث يقف الأقارب والمعارف في العزاء يدا واحدة، وكأن العزاء عزاؤهم.

وقالت زينب بنت سالم الغافرية: موضوع المجالس العامة غفل عنه الكثيرون، رغم قوة مضمونه من حيث فائدته لأبنائِنا الصغار، وذلك عن طريق تعليمهم أمورًا اجتماعية وتوطيد العلاقات بين الأهالي، ومناقشة القضايا التي تخص الأبناء أو المجتمع ككل أو الولاية التي يسكنونها. وأيضا فائدة المجتمع بنفسه من هؤلاء الأبناء في خدمته من جميع الجوانب.. ومن إيجابيات المجالس: توطيد روح الأسرة الواحدة في القرية أو الولاية بالأفراح والأحزان، أو دعم الأهل أو الفئات الأخرى من الأرامل والمطلقات والأيتام وإقامة الأنشطة الثقافية والدينية المختلفة.. وأشارت إلى أنَّ دور الولاية تعيين أشخاص من كبار أهل الحكمة والعقل حتى لا يكون الأمر عشوائيا؛ لإدارة هذه المجالس لما يعود بالنفع على المجتمع.

وتقول إيمان بنت سعيد الكلبانية: يحرص العمانيون على استمرار الكثير من العادات والتقاليد، وتشكل السبلة العمانية أحد هذه الموروثات التي يحافظ عليها العُمانيون كجزء من تراثهم الأصيل ذي المجالات المتعددة. والسبلة عبارة عن مجلس اجتماعي شعبي يلتقي فيه سكان الحي أو القرية في مختلف مناسبات الأفراح والأتراح، وفيه تُعقد اجتماعات المشورة بين أفراد القبيلة أو سكان الحي، وتفتح في مناسبات الخطبة وعقد القران، وفي لقاءات الصلح بين الخصوم أو الاجتماع لمناقشة أي من الأمور التي تهم الحي وسكانه. فهي بمثابة الحصن الذى يحمى كثيرا من العادات والتقاليد، والمدرسة التي من خلالها يتلقى الأبناء رسالة آبائهم المخطوطة بعبق التاريخ وأصالة الماضي؛ حيث يتعلَّم الأبناء في السبلة الكثير من عادات وتقاليد أجدادهم خاصة في جوانب مجالسة الرجال واستقبال الضيوف والترحيب بهم، كما يتعلم الأبناء من خلالها كيف أن الصغير يحترم الكبير فيما يحرص الأخير على تعليم كل صغير وتربيته وكأنه ابنه، ويتمُّ تبادل السؤال والعلوم عنها كعُرف تقليدي منذ قديم الزمان.