الأحد, 18 نوفمبر 2018

المؤسسة في إطارها الإنساني والتاريخي (3)

الأحد 04 فبراير 2018 08:43 ص بتوقيت مسقط

المؤسسة في إطارها الإنساني والتاريخي (3)

عبد الجواد خفاجي – ناقد وروائي مصري

 

من المهم ونحن نناقش العلاقة بين المثقف والمؤسسة أن نتوقف عند المفاهيم، وخاصة مفهومي المؤسسة والمثقف بوصفهما من المفاهيم النامية والمتغيرة والمرتبطة بسياقات حضارية مختلفة تعمل ـ تلقائيا ـ على نموهما وتغيُّرهما.
ويجدر بنا في ضبط مفهوم المؤسسة ألا نبعد كثيراً أو قليلا عن الإنسان صاحب المفاهيم، وضابطها، لآداء أغراضه الاجتماعية والعلمية والفكرية، سواءً في سعيه نحو المعرفة، أو في بحثه عن الحقيقة، أو في سعيه نحو إنشاء علاقات اجتماعية تضمن له الأمن والطمأنينة وبقية المطالب الأولية في هذه الحياة، قبل أن يكون طامحاً إلى مطالبه الثانوية التي ارتبطت في أغلبها بمستجدات الحياة وتطوراتها، وفي جميع الحالات كان على الإنسان أن يكون مؤسسياً، أو كان عليه أن يُمَأسِس حياته، أو يعيش في الإطار المؤسساتي، لكي تستمر حياته في طقس منظوماتي اجتماعي حاضن.
 المؤسسة إذن ضرورة اجتماعية وإنسانية ارتبطت بالإنسان وحياته منذ القديم، ومذ وجد نفسه أمام مأزق "أن يعيش" آمناً مطمئناً.
ومن المعروف أن الإنسان كائن اجتماعي يحب العمل في مجموعات، وعلى هذا الأساس نشأت المؤسسات للتنسيق بين تعارضات الأفراد ولقضاء حوائجهم والدفع بهم نحو التقدم.
 ويؤكد علماء الاجتماع ارتباط نشأة المؤسسات برغبة الإنسان في ضمان الحاجات الأولية، مثل المؤسسات الدينية، حيث أن الدين نزوع فطري عند الإنسان، حتى عند الذين ينكرون الأديان، لأنهم ليسوا على الدوام بلا دين، فقد يتحول إنكار الدين مع الزمن إلى دين مختلف، أو كما نقول إن: محطم الأصنام قد يتحول إلى صنم من نوعٍ آخر.
ومثل المؤسسات الاقتصادية ونحوها حيث أنها تعطي الحاجات الأساسية للإنسان، ولذا فإن مثل هذه المؤسسات وُجدت في المجتمعات البدائية في سكان الكهوف والغابات، كما وجدت في المجتمعات المدنية الحديثة مع فارق التعقيد والتعدد في المجتمع الحديث.
ثم ارتبط نشوء تلك المؤسسات برغبة الإنسان في الحصول على احتياجاته الثانوية بعد ذلك مثل: السياحة، والسفر، والسباحة، والفن، والألعاب الرياضية وما إلى ذلك، وتلك ارتبطت بالمجتمع الحديث ومستوى رفاهية الأفراد بدرجة أكبر من المجتمعات البدائية.
وتنقسم المؤسسات في الإطار البرجماتي لنشأتها إلى داخلية وخارجية، فالداخلية منها مثل الأسرة والعائلة، ومؤسسة الرياضة البدنية مثلا، لا هم لها خارج الإطار الذي يضم أفراد المؤسسة على عكس المؤسسات التي أُسست لأجل الخارج، كالنقابات والأحزاب السياسية مثلاً، أو المؤسسات السياسية الحاكمة أو الأمنية والقضائية وغيرهم.
وتنقسم المؤسسات في الإطار العام بالنظر إلى رسميتها إلى ثلاثة أقسام هي:
ـ المؤسسة الرسمية المهيمنة على بقية الأنواع المؤسسية، برسميتها أو عموميتها أوبسلطتها التي تزعم قداستها أو شرعيتها.
 ولعلها ـ أيضاً ـ النمط الأحدث في تاريخ الحياة المؤسسية فوق الأرض، لأنها ارتبطت بقيام الدول، والكيانات المجتمعية الكبيرة التي اتخذت شكل الدولة ـ فيما بعد ـ بما اتسمت به من ثبات وديمومة منظوماتها الاجتماعية وخاصة الحاكمة، وترابط أفرادها بروابط المصالح المشتركة والمصير المشترك لقطاعات بشرية كبيرة تجمعها روابط ثقافية واقتصادية وعرقية أساسية لقيام الدولة بشكلها الحديث، ومن هذه المؤسسات: المؤسسات الحكومية المرتبطة بإدارة البلاد ورعاية شئون المواطنين عموماً.
ـ المؤسسة شبه الرسمية، وهي التي تشترك فيها الحكومة مع المواطنين.
ـ المؤسسة غير الرسمية، وهي التي يؤسسها المجتمع بأفراده بمعزل عن الحكومات.
وتتسم المؤسسات الحكومية بخلوها من العطف والتعاطف ومن النشاط والحركة الحماسية، ربما لأن الموظفين ـ غالبا ـ يريدون بالوظيفة المعاش أو المكانة الاجتماعية أكثر من اهتمامهم بالعمل نفسه. ويختلف مثل هذا الحكم بمدي تحضر المجتمعات واقترابها من الديمقراطية، فقد تصدق هذه المقولة على البلدان التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية، بينما تقل نسبياً في الدول التي تحكمها أنظمة استشارية ديمقراطية تتداول فيها السلطة بين الأحزاب.
وإذا كان الإطار العام للمؤسسات يقوم على التنسيق فإن المؤسسات نفسها وهي تنسق تعمل بتنسيق داخلي يخصها، وخارجي مع بقية المؤسسات، مثلها مثل أجهزة الجسم البشري في استقلالها وتعاضدها ووحدتها في الوقت نفسه، فمثلاً: المؤسسة الاقتصادية تقوم بتوفير المستلزمات الاقتصادية لمؤسسة تربوية، والثانية تقوم بتوفير الاحتياجات التربوية للأولى، وهكذا.(2)
والمؤسسة حالها حال الفرد في علاقته بالأعراف الاجتماعية، أو بالمعنى: يجب أن تعمل طبق الموازين العرفية وفي مثل هذه الحال تدوم المؤسسة، أما إذا عملت المؤسسة على خلاف العرف السائد ـ كأن تعمل مؤسسة اقتصادية في البلاد الرأسمالية وفق مفهومات الاشتراكية ـ فإنها تعد منحرفة، فإن دامت في الانحراف، فإما أن يغلقها المجتمع بمختلف الوسائل والسبل ـ والتي أخرها القوة ـ وإما أن تتمكن من إثبات نفسها بسبب ما لها من مقومات اجتماعية.. أما إذا بقيت فإنها تكون قد نجحت في  تلوين القيم والأعراف وتغييرها بعض الشيء. ذلك لأن المجتمع لا يتحمل وجود المخالف، فرداً أو مؤسسة أو جماعة، فهو يغير المنحرف بالنصح والإرشاد أو بالاستهزاء والهمز والسخرية أو بالنبذ والابتعاد عنه حتى يتلاشى تلقائيا، أو بالقوة كإجراء أخير.
أما تصنيف المؤسسات يتم بحسب ما يوصف به مجال عملها، فالمؤسسة التي تعمل لأجل إنماء المستوى الثقافي، تصنف في ضمن المؤسسات الثقافية، وما تعمل لأجل الوقاية والعلاج، تصنف في ضمن المؤسسات الصحية، وهكذا، والصعب في الأمر أن تصنف المؤسسة في نطاق عملها، بينما هي تعمل لأجل شيء آخر، كما هو الحال في الأعمال الأمنية والأحزاب السياسية، حيث أن عمل الحزب السياسي افتراضاً هو تبديل السلطة إلى سلطة ملائمة، بينما ينشغل أعضاؤه بنشاطات سرية تجارية أو ثقافية مثلا.
لعلنا قد  مهدنا للمؤسسة ودورها في المجتمعات الإنسانية وأدركنا أن المجتمع ـ كتكوين ثقافي تربوي ـ يبدأ من خلال المؤسسة المرتبطة بالأسرة، ثم المحيط الاجتماعي القرابي، ومن ثم إلى محيط المجتمع الأكبر الذي يضم بدوره جميع الأنساق الثقافية، ويجعلها ضمن هرمية دائبة التداول والقبول والامتثال داخل هذا المجتمع، بحيث تغدو رؤية الأفراد الخارجين عن ذلك النسق الاجتماعي السائد تنتمي إلى فضاءات ومجالات النبذ والخطيئة والعصيان وفقا لطبيعة المجتمع وما تحيطه من قيم وعادات رسخت داخل الذاكرة الجميعة ، من هنا فإن التبعية تبدأ كمعطى أولي لدى المجتمع وجاهزية قيمه وعاداته، خصوصا إذا كان ذلك المجتمع متخلفاً، أو قبلياً يقع ضمن قابليات واحدة وصور في غاية التشابه والتجانس بلا أية استعدادات أو إمكانيات للخروج عن الأطر إلى نمط مغاير من الصور المختلفة عن نسق الثقافة السائدة التي تحكم ذلك المجتمع. (3)