الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

أمريكا في مواجهة المشروع الصينيّ الدوليّ الصَّاعد

الخميس 11 يناير 2018 08:57 ص بتوقيت مسقط

أمريكا في مواجهة المشروع الصينيّ الدوليّ الصَّاعد

ماهر القصير – السعودية
باحث في السياسة الدولية


شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في إعادة النظر في سياساتها الخارجية وانتشارها العسكري وتحالفاتها الاستراتيجية بالتركيز أساسا على منطقة الباسيفيكي. وصرح وزير الدفاع الأمريكي لويس بانيتا بـ"إن أميركا أمة باسيفيكية وسوف تظل هكذا دائما. ولقد حاربت الولايات المتحدة ونزف أهلها دماً ثمينا لمنح دول منطقة آسيا والباسيفيكي الفرصة لتحقيق الازدهار والأمن. وسوف نظل على التزامنا بتحسين حياة كل من يشكلون جزءًا من أسرة الأمم الباسيفيكية. ويتمثل الغرض من إعادة التوازن في الوفاء بذلك الالتزام بالحلم بعالم أفضل وأكثر أمناً في القرن الحادي والعشرين" (..) مما يعني تحوّل الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية من خلال هذه الاستراتيجة يسعى الأمريكيون من خلالها إلى خنق الصين ومحاصرة نفوذها المتنامي وذلك بالتغلغل داخل مجالها الحيوي، وتطويقها اقتصاديا وأمنيا بالأحلاف والمعاهدات وعسكريا بالقواعد في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأخرى في أستراليا. حيث بدأ هذا التحول الاستراتيجي منذ العام الأول لإدارة أوباما بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع رابطة دول جنوب شرق أسيا (الآسيان) في يوليو 2009، إيذانا "بعودة الولايات المتحدة إلي جنوب شرق آسيا"، علي حد تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون. إلا أن وتيرة الانخراط الأمريكي في قضايا الأمن والتعاون الاقتصادي مع دول جنوب شرق آسيا اكتسبت قوة دافعة باستضافة الولايات المتحدة لاجتماع منتدي التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في جزر هاواي الأمريكية، في منتصف نوفمبر 2011، والإعلان خلالها عن مبادرة للشراكة عبر المحيط الهادي (Trans - Pacific Partnership TPP) وتمثل المؤشر الثالث في استحداث أول حوار استراتيجي ثلاثي بين الولايات المتحدة واليابان والهند في 19 ديسمبر 2011م، بما يؤكد رؤية الإدارة الأمريكية بأن القرن الحادي والعشرين هو قرن منطقة المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا، حسب تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية (..).
وتحاول الولايات المتحدة قطع جميع الطرق التي تُزود الصين بالنفط من خلال التعاون النفطي عبر- الآسيوي والتي تصل مباشرة إلى الصين من خارج الممرات البحرية التقليدية المراقبة من جانب البحرية الأميركية. فكل الاتفاقات عبر- الآسيوية حول الطاقة، كأنبوب غاز إيران- باكستان- الهند، تعتبر متعارضة مع المصالح الأنكلو- أميركية وبرنامج حلف الأطلسي للتحكم بأوراسيا.
وكان من النتائج الأولية لهذه التطورات التحول الأخير في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية المتمثل في نقل محور سياستها الدفاعية والأمنية من منطقة الشرق الأوسط الكبير إلى منطقة الشرق الأقصى. هذا فضلا عن تعزيز قوتها في جزر الفليبين وأستراليا، حيث تتمثل الأهمية الاستراتيجية لهذه المواقع في قربها من مضيق ملقا الاستراتيجي في المياه الفاصلة بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الممر الإلزامي لحركة النقل بين الصين ودول شرق آسيا الأخرى، من جهة، وبقية العالم من جهة أخرى. وهذا ما يفسر جزئيا سحب قواتها من العراق وتعجيل انسحابها من أفغانستان في المستقبل القريب. ولا شك أن التطورات المهمة التي يشهدها قطاع الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية المتمثل في عودة نمو إنتاجها المحلي من النفط والغاز، وتوقع انخفاض وارداتها من الطاقة إلى مستوى يمكن توفيره من مصادر مجاورة في القارة الأمريكية، مثلت عاملا حاسما في هذا التحول الاستراتيجي.
قامت الولايات المتحدة بتعزيز التعاون الاقتصادي مع جنوب شرق آسيا لما يمثله هذا الإقليم من أهمية استراتيجية للمصالح الاقتصادية الأمريكية، حيث توافقت الولايات المتحدة مع كل من كوريا الجنوبية وتايلاند علي اتفاقيات لتحرير التجارة. وتسعي الإدارة الأمريكية لمضاعفة صادراتها للإقليم إجمالا بحلول عام 2015 لترتفع من مستواها الحالي الذي يصل إلي 320 مليار دولار.
وسعت الولايات المتحدة لتقوية علاقات التعاون مع المنظمات الإقليمية، لاسيما (الآسيان)، ومنتدي التعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادي، من خلال توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الآسيان، وطرح مبادرة للشراكة عبر المحيط الهادي بمشاركة بعض دول الآسيان، وهي ماليزيا، وسنغافورة، وفيتنام، وبروناي، بما يفتح المجال لإنشاء منطقة كبري للتبادل التجاري الحر تضم نحو 800 مليون مستهلك، وتمثل نحو 40% من الاقتصاد العالمي. وعلي مستوي علاقات التعاون في المجالات الاجتماعية، طرحت الإدارة الأمريكية مبادرة عرفت باسم "الميكونج الأدني" لدعم التعليم والصحة والبرامج البيئية في كمبوديا، ولاوس، وفيتنام، ودعت أيضا لتشكيل منتدي جزر المحيط الهادي لدعم دول الإقليم في مواجهة التغير المناخي، والعوائق التي تعترض حرية الملاحة (..).
وبدأت الولايات المتحدة في تكوين نواة لتحالف إقليمي جديد مناوئ للصين بتدشين حوار استراتيجي ثلاثي بين الولايات المتحدة واليابان والهند في ديسمبر 2011. ومن غير المستبعد أن تبدأ الولايات المتحدة بتوسيع نطاق هذا التحالف مستقبلا ليصبح نظيرا آسيويا لحلف شمال الأطلسي، هدفه الأساسي احتواء المد الصيني إقليميا بمظلة دفاعية تمتد عبر المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا. ويستدل علي هذا التوجه المناوئ للصين بقيادة الولايات المتحدة ما لا يقل عن 300 مناورة بحرية كبري عام 2012 بمشاركة دول الإقليم، كان من أهمها التدريبات العسكرية الأمريكية في خان كويست بمنغوليا علي الحدود الشمالية للصين، بمشاركة كندا، وفرنسا، وألمانيا، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، بما عٌدَّ تحديا مباشرا للصين في محيطها الإقليمي . أما التحدي الأبرز، فتمثل في موافقة الولايات المتحدة علي صفقات تسلح لتايوان بقيمة 12 مليار دولار تقريبا، بما أثار احتجاجات بكين، ودفعها في عام 2010 إلي تجميد العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، واتهمتها بمناوأة وحدة الصين (..). وقامت الصين بتحديد ما اعتبرته نطاقها الحيوي الأول الذي يشمل مضيق جزيرة تايوان المتنازع عليها، إذ هددت باحتلال الجزيرة في حال خطت نحو الاستقلال.
وتقيم الولايات المتحدة علاقات عسكرية وثيقة مع تايوان، هذه الجزيرة التي تمتاز كمنصة إستراتيجية للعمليات العسكرية ضد الصين وأمنها في الطاقة. ولتايوان أهمية جيوستراتيجية لوقوعها بين بحر الصين الجنوبية وبحرها الشرقي. وتولي الولايات المتحدة أهمية قصوى للوضع في تايوان بحكم قيمة الخطوط الملاحية البحرية الفائقة الأهمية الإستراتيجية لأنه عبرها يتم نقل النفط وغيره من الموارد نحو  الصين.
وكثيراً ما تمت مناقشة أهمية طرق النفط في آسيا الوسطى وعبر الممرات البرية، ولكنه يجب الاهتمام أيضاً بالطرق البحرية للنفط وبالممرات المائية الدولية ذات الأهمية الإستراتيجية. فالتزود بالطاقة شديد الارتباط بالأمن القومي الصيني وبنموها وبقدرتها العسكرية. فلو توقف أو على الأرجح أعيق، تزود الصين بالنفط في زمن الحرب، لوقعت في وضع حرج وتعرضت للشلل والاختناق. ولهذا فإن إقامة خناق بحري حول الصين من شأنه أن يؤدي هذا الغرض.
وبدأت محاولة السيطرة على تزود الصين بالطاقة حيث أن لمضيقي تايوان وملقا أهمية جيوستراتيجية حيوية لنقل النفط وغيره من الموارد إلى الصين. فمن يتحكم بهذين المضيقين يتحكم بتزود الصين بالطاقة. ولعل الصين تتلقى ضربة قاسية فيما لو تم إقفال هذين المضيقين وتوقف نقل النفط أو تمت إعاقته، تماماً كما قد تتلقى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضربة قاسية فيما لو أقفلت إيران مضيق هرمز. والحال فإن البحرية الأميركية هي التي تتحكم اليوم بهذه الطرق البحرية. وطالما ان الصين لا تملك وسيلة أكيدة للحصول على الطاقة بطريق لا تتحكم بها الولايات المتحدة ستبقى في موقع ضعف أمام البحرية الأميركية التي تستمر في مراقبة تايوان وملقا.
ولهذا فتايوان وسنغافورة حليفان مقربان من الولايات المتحدة، وهما مسلحان جيداً ليتمكنا من التحكم بالمضيقين الحيويين. وفي حال الحرب بين الولايات المتحدة والصين، فلكل من تايوان وسنغافورة برامج طارئة لاعتراض النفط المتجه إلى  الصين. ومع أن مضيق ملقا يقع ضمن المياه الإقليمية لماليزيا، فإن التسليح السريع لسنغافورة هدفه التحكم بنقل النفط وإيقافه عند الضرورة. ما يعني وقف تزود الصين بالطاقة في حال الحرب مع الولايات المتحدة. هذا فضلاً عن ان قواعد سنغافورة البحرية عالية التخصص في خدمة السفن الحربية والغواصات، وهي مستخدمة بكثافة من قبل البحرية الأميركية.