السبت, 15 ديسمبر 2018

مقال : أيمن والفكر المتطرف!

السبت 30 ديسمبر 2017 05:39 م بتوقيت مسقط

د. سليمان المحذوري

يعد موضوع التطرف من المواضيع الشائكة في عالمنا المعاصر، والتي تصدرت اهتمامات الدول، وحظيت بالمتابعة والتغطيات الإعلامية الواسعة شرقاً وغرباً. واستناداً لمعجم المعاني، يشير المعني اللغوي لمفهوم التطرف إلى تجاوز حد الاعتدال والحدود المعقولة. واصطلاحاً هو المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية؛ وبالتالي تبني أفكار أو قيم قد يصل الدفاع عنها إلى تبني أسلوب العنف بشكل فردي أو جماعي منظم؛ بهدف فرض الرأي بالقوة وإحداث التغيير المنشود. هذه المقدمة المبسطة التي افتتحت بها موضوع المقال، أجد أنها مهمة لمدِّ القارئ الكريم بمعلومات -وإن كانت مقتضبة- حول موضوع التطرف.

وكما يظهر من عنوان المقال، فإنه يُعنى بشاب عماني اسمه "أيمن"، تربطني به صلة قرابة ودم، فهو ابن خالتي تحديدًا. وجدت أن قصته شبيهة بقصص شباب عمانيين، وإن كانوا قلة، شربوا من نفس الكأس، كما أن قصته يمكن أن تكون نسخة لقصص أخرى قد تتكرر في عمان أو في غيرها من البلدان. خاصة في ظل الظروف الراهنة، وما يشهده العالم من انتشار التيارات المتطرفة والتكفيرية لا سيما في بلداننا العربية.

أنهى أيمن الثانوية العامة كغيره من الشباب يحلم بمستقبله الواعد؛ حيث التحق بإحدى كليات التقنية سنة 2005؛ إلا أنه لم يواصل الدراسة فيها، بعدها وجد فرصة تدريبية كموظف مبيعات في مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص، وبعد إكمال البرنامج التدريبي تم تعيينه في صلالة بأحد فروع المؤسسة سنة 2008م، وكانت الإجازة الرسمية آنذاك يوم الجمعة فقط؛ وبالتالي بُعده عن أهله ولفترات طويلة، وكان هذا سبباً رئيسياً في ترك العمل، ثم رجع إلى مسقط، وعمل هنا وهناك، وخلال هذه الفترة تعرف على طائفة ممن يبدو عليهم أنهم من الملتزمين، خرج معهم لمدة شهر فيما يسمى بـ"الخروج في سبيل الله"، وكانت هذه الصحبة كفيلة بتغيير أفكاره رأساً على عقب. الحاصل أنه في العام 2010، صارح أهله بأنه سيذهب إلى دولة قطر بحثاً عن فرصة عمل، إلا أن الأمور كانت مبيتة بليل. حيث سافر أيمن إلى قطر، ومنها إلى باكستان، ليلتحق بصفوف المجاهدين في أفغانستان، وخلال غيابه كان يتصل بأهله على فترات متباعدة دونما الإفصاح عن مكان إقامته. وفي صيف 2012، تلقى أخوه الأكبر عبدالله اتصالاً من شاب عربي يُبلغه أن أبا عبدالرحمن -هذه كنيته بين صفوف المجاهدين- استشهد في إحدى العمليات العسكرية في أفغانستان، لتفقد أمه فلذة كبدها وهو في ريعان الشباب، لم يتعد 23 عاما... نسأل الله له الرحمة والمغفرة.

المهم أنني علمت أن شاباً عمانيًّا آخر كان برفقته، لكنه عاد مؤخرا، فقلت في نفسي ربما عليَّ مقابلته للاستيضاح حول بعض الأمور الغامضة المتعلقة بمسأله الجهاد تحديداً، وبالفعل تواصلت معه هاتفياً، وأبدى استعداد لمقابلتي، واتفقت معه على المكان والزمان. التقيته في منزله، وبدا لي مضطرباً ومتوتراً بعض الشيء، ومع مرور الوقت طرحت عليه عدة أسئلة بشأن موضوع اللقاء، وذكر لي كثيرا من التفاصيل التي لا يتسع المقام لذكرها؛ من بينها أنه كانت لديه فكرة مسبقة عن موضوع الجهاد في أفغانستان؛ وذلك عن طريق الإنترنت والمواقع الجهادية التي تتضمن منشورات ومواد فيلمية تصور العمليات الجهادية، وأنهم التقوا هنالك شبابًا من جنسيات شتى عربية وغربية، وكان كثيراً ما يؤكد على مسألة الرؤيا التي تأتيهم، وتفسيرها على أنها تبشرهم بالشهادة والجنة. كما سرد لي كيفية التحاقهم بجماعة الدعوة والتبليغ في باكستان في يناير 2010، ثم تهريبهم إلى منطقة وزيرستان ومنها إلى أفغانستان. وأشار كذلك إلى أنهم سلموا جوازات سفرهم إلى شخص ثم فقدوها، وعاشوا حياة التقشف، رغم أن التمويل كان مستمراً وملاحظا، إلا أنه لا يعرف مصدره عَدا الغنائم والتبرعات. وانتهت قصته بأنه بعد إصابة في إحدى العمليات تم ترحيله إلى دولة مجاورة لأفغانستان، وهنالك ألقي القبض عليه، ووقع في الأسر، ومن خلال هويته العمانية تم تسليمه للسفارة العمانية، وأعيد إلى عُمان.

يقول عاصم رشوان في مقدمة كتابه "أوطان آيلة للسقوط": سمحنا لأصدقائنا بالأذان للجهاد في أفغانستان من فوق مأذننا، واهمين بأننا نمشي على طريق الصواب، نحارب أعداءنا الملحدين حتى تكون كلمة أصدقائنا هي العليا في الأرض. تحققت الأهداف ليتحول مجاهدو الأمس إلى إرهابيين".. ويذكر الكاتب زاهر المحروقي في مقاله المعنون بـ"جمود الفكر الإسلامي"، والمنشور في هذه الجريدة بتاريخ 22 ديسمبر 2017: "إن جمودَ الفكر الإسلامي هو الذي أدى لنشوء كل الحركات المشبوهة؛ ابتداء ممن عرفوا بـالأفغان العرب، وليس انتهاء بداعش؛ حيث استغل رجال الدين هؤلاء الشباب، وزرعوا فيهم أن أرض الجهاد هي أفغانستان، وهم لم يكونوا يعلموا بأنهم مجرد أدوات".

وقصة أيمن -رحمه الله- ما هي إلا نموذج لمئات القصص لشباب مُغرَّر بهم، تحت فتاوى الجهاد، وباستغلال فطرة التدين النقية لديهم، وتوظيف المقدَّس الديني لإضفاء الشرعية على خطابهم السياسي. وإن لم يُلتفت لهذه النماذج؛ فإنه المتوقع أن يستمر هؤلاء الفتية وقودًا للحركات المتطرفة في بلداننا العربية والإسلامية.

abualazher@gtmail.com