السبت, 22 سبتمبر 2018

مقال : أعمدة الحُكم الرشيد

السبت 23 ديسمبر 2017 11:37 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

بخُطًى وئيدة، وبُعد نظرٍ سياسيٍّ حَصيف، يُكمل مجلس عُمان عامه العشرين، مزدانا بمسيرة حافلة من العمل الوطني الأمين، استطاع خلالها أن يجسّد قناعةَ قيادتنا الحكيمة، المقام السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- بضرورة تبني الديمقراطية القائمة على نهج الشورى العماني الأصيل، وتكريس ذلك في الواقع الوطني، وفق مُقتضياتٍ وخصوصياتٍ تكافئ تطلعات المواطن، وتواكب مُتطلبات تطوُّر المسار الديمقراطي في العالم من حولنا، ليصبح معها مجلس عُمان اليوم ملمحًا واضحًا لاتزان سياسيٍّ فاعلٍ، بعُمقٍ وثراءٍ، يحفظ على الوطن ديمقراطيته، وعلى المواطنين أمنهم وأمانهم.

فلقد كان العام 1997م، وبكل تأكيد، نقطةً فارقةً في مسيرة نهضتنا المباركة؛ إذ مثل بتأريخه الزمني ميلادَ صرحِ الديمقراطية الأكبر في السلطنة، بعد حِرَاك ومَرَاحل وتفاعلات مُؤسسَّية سبقته، كان أبرزها تشكيل المجلس الاستشاري للدولة في العام 1981م. وكخيار إستراتيجيٍّ، فقد فرضت أهمية إنشائه، تطوُّرات شتَّى على الصَّعيدين المحلي والإقليمي، استتبعتْ ضرورة تعميق مفهوم الحُكم الرشيد، وتأطيره، وتطويره، كأسلوبٍ حداثيٍّ -بطابع عُماني خاص- للممارسة البرلمانية، ووضع أُسس الممارسة الديمقراطية السليمة والفاعلة بين القيادة والمواطن؛ ليُجسد مجلس عمان بذلك نسقًا مؤسسيًّا يُمارِس فيه -بغرفتيه "الدولة" و"الشورى"- وظائفَ برلمانية قائمةٍ على قواعد منصوصٍ عليها في النظام الأساسي للدولة؛ أهلته لأخذ مقعدٍ في الصدارة كجزءٍ لا يتجزَّأ من مكونات دولة المؤسسات، يُؤازر جهود حكومتنا الرشيدة، ويخدم مقاصد التنمية.

كلُّ ذلك مُجتمِعًا.. رسَّخ له لاحقا المرسوم السلطاني رقم (99/2011)، بمنح صلاحيات تشريعية ورقابية للمجلس؛ تعزِّز عمله البرلماني، وتدعم أداءه الديمقراطي، بما ينسجم وملحمة التطوير، ويستجيب لمتطلبات كل ظرف زمني -حاضرًا كان أو مستقبليًّا- وكنقطة تحوُّل في مسيرة البناء والارتقاء الحضاري، لتتَّسع بعدها مهام مجلس عُمان، خروجًا على اقتصار دوره الوطني على مجال الاقتراحات بشأن مشروعات القوانين، لتشمل اختصاصاته تقديم اقتراحات برغبة، وتعزيز برامج التنمية، وتطوير أداء الأجهزة الإدارية، وتنمية الموارد البشرية، والإسهام في إيجاد الحلول الملائمة لما يستجد من تحديات، وقبل كل هذا دوره الرقابي على مشروعات خطط التنمية الخمسية، وما هُيِّئ له من أدوات برلمانية أخرى يُمثلها: البيانات العاجلة، وطلبات الإحاطة، والأسئلة البرلمانية، ومناقشة البيانات الوزارية، وتشكيل لجان تقصي، واستجوابات.. في انعكاس لنهجٍ تطويريٍّ لمسارنا الحضاري الرَّامي لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صُنع القرار؛ من منطلق قناعةٍ سياسيةٍ بضرورة "عدم حرق المراحل"؛ خدمةً لمسيرة تطوُّر البلاد، وإرساءً لأسسٍ راسخةٍ، وقواعد صلبة للسلطة التشريعية الواعية.

.. إنَّ المسيرة التشريعية الأمينة لمجلس عُمان تزدانُ اليوم -وفق ما تقدَّم- بإنجازات وطنية حافلة، بفضل إيمانِ أعضائه -سواءً المُعيَّنين منهم بمكرمة سامية في مجلس الدولة، أو الممثلين انتخابًا لولايات السلطنة في مجلس الشورى- بعِظم المسؤولية، وأمانتها الملقاة على عواتقهم، كلُّ ذلك مدعومٌ بحرصٍ سامٍ من لدن مولانا المعظم على أن تصطبغ تجربة الشورى في السلطنة بصبغةٍ عُمانية مُطلقة في كل تفاصيلها، تتلبَّسها العراقة الحميدة، والتجذُّر الضارب بمُثله وقِيَمه؛ ويغلفها التاريخ الحي المتنامي، بأرديةٍ من تميز الممارسة والتطبيق على أرضية الواقع، وِفق قناعات متوازنة، استوحى مُفردات تشكُّلها من "وأمرهم شورى بينهم"؛ وتراث الوطن المعتزِّ بتاريخه والآخذ بالمفيد من أساليب العصر وأدواته؛ فمنحها مُؤهِّلات التمكين، وجَمَع لها رهانيْن: رهان البقاء، ورهان التطوير.

واليوم.. وإذ يُحيي مجلس عُمان -خلال ما تبقَّى من هذا العام- الذكرى العشرين للثقة السَّامية بإنشائه، ليفرض علينا المنجز المتحقَّق لتجربتنا الديمقراطية أن نقول بأنَّ هذا الصرح الوطني الشامخ، وما أسَّس له لرفع مفهوم الممارسة الديمقراطية من التعاطي المباشر غير المنظَّم في "السبلة" -ومن ثمَّ تطوُّرها بتنظيم مُمنهج إلى "المجلس الاستشاري للدولة"- ليُشكِّل بصدق لبنة بناء قوية في صرح نهضتنا الشمولية، ويُبرهن مسيرة التفرُّد التي رعاها مؤسس عُمان التاريخ والمجد والحضارة؛ كما أكد ذلك في خطابه السامي بالعيد الوطني الأول: "خطتنا في الداخل أن نبني بلدنا ونوفر لجميع أهله الحياة المرهفة والعيش الكريم، وهذه غاية لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق مشاركة أبناء الشعب في تحمل أعباء المسؤولية ومهمة البناء، ولقد فتحنا أبوابنا لمواطنينا في سبيل الوصول إلى هذه الغاية وسوف نعمل جادين على تثبيت حكم ديمقراطي عادل في بلادنا في إطار واقعنا العماني العربي، وحسب تقاليد وعادات مجتمعنا".

ويبقى القول في الأخير.. إن ما نَشْهده اليوم -نحن المواطنين- من تفاعلٍ على صعيدِ مجلس عُمان وباقي مُؤسَّسات الدولة، ليعكسُ مقاربةً مع مفهوم الحكم الرشيد، الذي حظي في الآونة الأخيرة باهتمام واسع؛ كونه مرتبطا بقدرتنا على التطور وإحداث التغيير.. فتحيَّة تقدير لكافة أعضاء مجلس عُمان الحاليين، ومن سبقُوهم في خدمة ثرى هذا الوطن، ودُمتم حرَّاسًا أمناءَ للديمقراطية العُمانية.