الخميس, 15 نوفمبر 2018

مقال : عيدٌ.. يعود بالبُشرى والفرح!

الجمعة 17 نوفمبر 2017 09:02 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

تفرض استثنائيةُ هذا الصَّباح الوطنيِّ، استثناءً في الاقتباسِ والتأويل.. فإنْ كان المتنبِّي قبل ما يربو على الأحد عشر قرنًا تقريبًا قد أنشد شاجيًا: "عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟!"، فإنَّ العُمانيين اليوم وهو يُحْيُون ذكرى مِيلَاد المجد وانطلاقة مسيرة النماء، مُترقِّبين بقلوب متلهِّفة الإطلالةَ الميمونة لمَوْلانا حَضْرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظَّم -حفظه الله ورعاه- الذي يشمل برعايته السامية العرضَ العسكريَّ الاحتفائي بالعيد الوطني السابع والأربعين المجيد، ليَنْسِجون من وحيِّ واقعهم المزهِر، لوحات ولاء وعرفان، وإجاباتٍ لسؤال المتنبِّي، تتناصُّ في الأوزانِ وتَتَضاد في الجوهر والمعاني: "عيدٌ يعُود" مُحمَّلاً بالبُشرى والفرح، وسُحبِ الخير المطيرة التي تُظلِّل كافة الولايات والمحافظات؛ من مسقط مبدؤها، وفي كِمْزار تحطُّ الرحال، مُوجِّهة الصوب شطر البريمي، ومن ثمَّ جبال ضلكوت ورخيوت.

"عيدٌ يعُود".. ناثرًا بُذُور الأمل، وشاقًّا أفلاجًا تروي في النفوس حُبًّا سرمديًّا لثرى هذا الوطن، على وقع أهازيج واحتفالات وطنية تُفصِح فيها كلُّ نفسٍ عن عظيم امتنانها لملحمة جَهْد وطنيٍّ انبثقت منه أمجادهم، خلف قيادة حكيمة، آمنت بأنَّ بناء الأوطان لن يستقيم دون استثمار جاد وحقيقي في بناء الإنسان، تُسانده وتَدْعَمه مقوِّمات تنبُت من جذور الأرض؛ بتاريخٍ يضرب في أعماق القِدَم، ومرجعية تنتهج الوسطية والاعتدال، وثقافة قديمة قِدَم تراب هذا الوطن الغالي.

"عيدٌ يعُود".. حاملًا بين ثناياه بُرهَان صدقٍ على أنَّ التجارب وَحْدها هي مَصْنع الرجال.. بما أَوْجدته من تحوُّل في الوَعْي المجتمعي تجاه أعيادنا الوطنية؛ انتقلت معه من مُجرَّد مناسبة رسمية، إلى يوم احتفال شعبيٍّ بامتياز، وموعد سنويٍّ تكتسي فيه الأرضَ أثوابَ المجدِ المطرَّزة بألوان العلم العُماني؛ احتفالًا بالوطن والمواطن، من أصغر الدوائر خصوصية إلى أكبرها: من دائرة الفرد بذكريات طُفولته ويفاعه وشبابه، إلى دائرة الأسرة والنيابَة والولَاية والمحافظة، وصولاً للوطن بأكمله.

"عيدٌ يعُود".. ملهِمًا أبناء عُمان الأوفياء باستحضار ملاحم وقصص التأسيس الأول للبلاد، وماهية الدور الذي لعبته الإرادات الوطنية المخلصة للمِّ الشمل ووقف التشتت والانقسام، لتعمَّ أرجاء الوطن اليوم أبهى مظاهر الألفة واللُّحمَة والتعاضد، وتستمر مسيرة الكفاح، ليعلو اسم مَجَان كواحةً غناء، ومقصد يشدُّ الرِّحال إليه كلُّ راغبٍ في السلم والأمان.

"عيدٌ يعُود".. ورُؤى قيادة بلادنا السديدة النيِّرة ما زالت تضيء ملامح الطريق نحو مزيد من النجاحات والإنجازات والإصلاحات، تحتكم غايتها الكبرى إلى حُلمٍ دائمٍ بمستقبلٍ أفضل لأبناء هذا الوطن والمقيمين على أرضه، بإيمان راسخ بضرورة أن تبقى عملية التطوير مستمرة، وأنَّ التحديات مهما بقيت قائمة فإنَّ حلولها كذلك، وأنه ومع كل تحدٍّ جديد تتخلَّق حلولٌ وتُفْتَح نوافذ الأمل، في عمليةٍ دائمةٍ تُشكِّل حركة التاريخ والأوطان نحو التقدم والرقي والازدهار.

"عيدٌ يعُود".. والعمانيون يفاخرون بما تحقَّق داخليًّا من إنجاز، ومشاريع تنموية تسير وتيرتها على قدم وساق في كل المجالات دون توقفُّ أو انقطاع، وعمليات تطوير متدرِّج ومدروس تشمل القطاعات الأكثر أهمية وحيوية للمواطنين.

"عيدٌ يعُود".. فَارضًا علينا نحن العُمانيين أن يكون احتفالنا مُختلفًا، كما كان اقتباس بيت المتنبي وتأويله مختلفيْن. اختلافٌ يَعْظُم معه العطاء الوطني؛ استشعاًرا بمكانة هذه المناسبة الخالدة التي يُحيِي تجدُّدها كل عام انطلاقةً نحو آفاق جديدة بتنميتنا الخلاقة، وأن يُقدِّم كلٌّ منِّا للوطن في يَوْم عيده هدية إنجاز، وعهدَ وفاء؛ ردًّا لجَمِيله الذي يطوق الأعناق.

"عيدٌ يعُود".. مؤصِّلاً لأبعادٍ جديدة للمسؤولية الوطنية لأبناء عُمان، أساسها الحفاظ على ما تحقَّق والبناء عليه وضمان تطويره، وأنْ نعقد جميعًا العزم على أن تترسخ في النفوس أكثر من أي وقت مضى ثقافة العمل بروح الفريق -حكومةً، ومواطنين، وقطاعًا خاصًّا، ومجتمعا مدنيًّا- لتذليل العقبات، وتجاوز التحديات التي تواجهنا؛ لنصل بعيدًا بنهضتنا في سباق الأمم الحضاري نحو المجد والرفعة.

"عيدٌ يعُود".. هاديًا إيَّانا فرصةً جديدة لرسم خارطة طريق مُستقبلي مُحدَّدة، ومعرفة كيفية إدارة مفهوم الشراكة في البناء ورفع الكفاءات، والعمل بجدٍّ وإخلاص.. فاليوم وبملء الأفواه يُمكننا القول صراحة إنَّه لا توجد أيَّة موانع أو مُبرِّرات لأحدٍ -كائناً من كان- أن يتخلَّف عن ركب الإسهام الوطني -وبفاعلية أكبر- في حفز مسيرة التطوُّر والقفز على الأسبابِ الذاتيَّة التي تعوق الوصول إلى تنمية مستدامة يرفل الجميع في أثواب ازدهارها جيلا بعد جيل.

"عيدٌ يعُود".. نترقب معه بشغف تدشين البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب، الذي ينطلق بمباركة سامية لتنمية مهارات شبابنا الواعد وتأهيلهم لقيادة مستقبل مجتمع معرفي قادر على اقتحام مجالات عمل تتسق واحتياجات بلادنا الاقتصادية الآنية والمستقبلية، وتعزيز قاعدة شبابية من كفاءاتنا الوطنية لتولي المسؤولية في مجالات العمل المختلفة.

"عيدٌ يعُود".. يُجدِّد فيه العُمانيون العهد للوطن والقائد المفدَّى -أيَّده الله- بمواصلة الجهود من أجل رفعة الوطن؛ ولتمضي سفينته نحو بر الأمان.. مستحضرين نطقاً ساميًا بأن: "الشعوب حينما تحتفل بأعيادها الوطنية، إنما تفعل ذلك تمجيدًا لأيام في تاريخها مُشرقة، وحوادث من الزمان نَادرة. إنَّ الأيام في حياة شعبنا لا تقاس بوحدات الزمن، وإنما بوزن ما تفتحه من آفاق، وما تلهمه من أفكار، وما حولته من آمال إلى واقع حي؛ لتأخذ مكانها بين طلائع الشعوب السائرة من أجل التقدم والسلام والرخاء".

"عيدٌ يعُود".. تُرفع فيه أكُفَّ الضراعة إلى السماء بأن يحفظ الله عُمان الوطن، ويُسدَّد على طريق الخير كلَّ ساعٍ لعزِّها. وكلَّ عام وأعيادنا الوطنية تبعثُ بُشريات تُضِيء الدروب، وتُبْقِي جذوةَ الأمل وقادَّة نحو مستقبل أكثر استقرارًا ونماءً.