الأحد, 18 نوفمبر 2018

الإعْجَازُ اللغويّ في سورةِ النُّور:

الدلالة العددية لثنائية النور والظلام في سورة النور(2)

الأربعاء 15 نوفمبر 2017 08:04 ص بتوقيت مسقط

الدلالة العددية لثنائية النور والظلام في سورة النور(2)

أ.د/ إيمان محمد أمين الكيلاني
الجامعة الهاشمية – الأردن

 

اسم السورة "النور"، ولا عجب أن يكون هذا اسمها بالتعريف، فهي تقع في قلب المصحف الشريف،وفيها الكوة التي يتنامى فيها النور، ولا ترد معرفة في كل السورة إلا في اسمها، وهذا ينسجم مع كون(نور السموات والأرض) خبراً أسند إلى لفظ الجلالة، وينسجم مع كون "النور" اسماً من أسماء الله الحسنى، وإفراده وتعريفه في اسم السورة ينسجم مع كونه يعود على الواحد الأحد ويخصه وحده مطلقاً كاملاً شاملاً.

وينقسم النور في السورة إلى نوعين: حسي تدركه الأبصار، ومعنوي تدركه البصائر. فـ" إذا استقرأنا موضوع السورة المنعوت بـ"النور" تجد النور شائعاً في كل أعطافها. لا أقول آياتها ولا أقول كلماتها، ولكن النور شائع في كل حروفها"  
والنور فيها يرد بنوعيه الحسي والمعنوي، فالمرء لا يستغني عن أي منهما.  "ولكن ما نفع هذا النور الحسي للإنسان الخليفة في الأرض؟ أنت حين ترى الأشياء تتعامل معها تعاملاً يعطيك خيرها ويكف عنك شرها، ولو لم ترَ الأشياء ما أمكنك التعامل معها، وإلا فكيف تسير في مكان مظلم فيه ما يؤذيك مثل الثعابين أو زجاج متكسر؟

إذن: لا تستطيع أن تهتدي إلى مواضع قدمك، وتأخذ خير الأشياء، وتتجنب شرها إلا بالنور الحسي، كذلك إن سرت في ظلمة وعلى غير هدى، فلا بد أن تصطدم بأقوى منك فيحطمك، أو بأضعف منك فتحطمه. لذلك سمي الحق- تبارك وتعالى- المنهج الذي يهديك في دروب الحياة نوراً.

والناس حين لا يوجد النور الرباني الإلهي يصنعون لأنفسهم أنواراً على قدر إمكاناتهم وبيئاتهم بداية من السرجة ولمبة الجاز، وكان الناس يتفاوتون حتى في هذه-حتى عصر الكهرباء والفلوروسنت والنيون وخلافه من وسائل الإضاءة التي يتفاوت فيها الناس تفاوتاً كبيراً، هذا في الليل، فإذا ما أشرقت الشمس أطفأ الجميع أنوارهم ومصابيحهم، لماذا؟ لأن مصباح الله قد ظهر واستوى فيه الجميع لا يتميز فيه أحد عن أحد.

وكذلك النور المعنوي نور المنهج الذي يهديك إن كان لله فيه توجيهاً، فأطفىء مصابيح توجيه البشر لا يصح أن تستضيء بنور ونور ربك موجود، بل عليك أن تبادر وتأخذ ما تقدر عليه من نور ربك، فكما أخذت نور الله الحسي فألغيت به كل الأنوار، فخذ نور الله في القيم، خذ نور الله في الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك يغنيك هذا عن أي نور من أنوار البشر ومناهجهم"

إن ثمة انسجاماً واضحاً بين اسم السورة، وفحواها، فقد وردت لفظة "نور" صريحة فيها 10 مرات، ووردت أدواته ومصادره ومتعلقاته 11 مرة كالتالي:
مشكاة(1)، مصباح(2)، زجاجة (2)، كوكب (1)، يوقد (1)، زيتها (1)، يضيء (1)، سنا برقه، نهار(1).
ولم نذكر النار ههنا؛ لأنه تعالى نفاها، وجعل المصباح والزيت يضيء قبل أن تمسه وعليه فإن عدد الألفاظ الدالة على النور الحسي ومصادره وعناصر قوته وتعزيزه في السورة الكريمة =10+11= 21 ومن المؤشرات الدلالية المعجزة في هذه السورة أن لفظ الجلالة ورد في بؤرتها 11مرة ، وهو نفسه عدد أدوات النور ومصادره ومتعلقاته.
-    أما الحاسة التي يدرك بها النور ويميز الظلام فهي متمثلة بلفظة "الأبصار" التي تكررت في ثلاثة مواضع في السورة وهي:
1-    (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار).
2-    (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار).   
3-    (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار).   
وإذا جمعنا النور الحسي بألفاظه ومصادره، وحاسة إدراكه يصبح كاملاً مكتملاً في النتيجة: 10+11+3=24 مرة، وهذا العدد نفسه هو رقم السورة الكريمة وترتيبها في المصحف الشريف.  وهذا إعجاز قرآني مفلق حين يتساوى عدد النور الحسي ومكوناته مع اسم السورة مع ترتيبها في المصحف الشريف.

-    أما الظلام الحسي فتكرر مرتين بلفظه وهو "ظلمات"، وأما أدواته ومتعلقاته وما يدل عليه فقد ورد 7 مرات فيتمثل في ما يلي:
ظلمات (2) بحر لجي (1)، يغشاه موج (1) من فوقه موج (1) من فوقه سحاب (1)، الليل (1)
وعليه فإن نسبة النور بلفظه إلى نسبة الظلام بلفظه تكون: 10: 2= 5 :1

إذاً النور الحسي المدرك بالبصر هو 5 أضعاف الظلام الحسي في هذه السورة الكريمة. أما نسبة النور الحسي بمتعلقاته ومصادره إلى الظلام الحسي ومتعلقاته فهي 21: 7= 3: 1 أي النور الحسي المتكامل 3 أضعاف الظلام الحسي المتراكم.

-    أما النور المعنوي والمتمثل في الأحكام والآيات الإلهية والحدود فقد توزع على النحو التالي، وهو أمر يدركه من يعمل ببصيرته في محاولة لتفهم العلاقة وإدراكها بين مجمل السورة من أولها إلى آخرها، وبؤرة النور المتمركزة في قلبها، والذي يحدد كون النور فيها معنوياً، والظلام معنوياً هو ما يترتب على تلك الأحكام من خير يعود على الفرد والمجتمع. ويمكن تقسيم الظلام وما يقابله من نور إن وجد- سواء بلفظه أو مما يحذف ويغني عنه المذكور في ما يلي:

Capture 01.JPG
Capture 02.JPG


وعليه فإن نسبة النور المعنوي  إلى الظلام المعنوي هي 41-24
ولو جمعنا النور الحسي إلى المعنوي لكان المجموع هو 21+41=62
ولو جمعنا الظلام الحسي إلى المعنوي لكان المجموع هو 7+24=31
أي أن نسبة النور بمجمله إلى الظلام بمجمله في السورة الكريمة هو الضعف، وهذا يتناسب تماماً مع منطوق قوله تعالى"نورعلى نور"، وهذا الإشراق النوراني بعدده ودقته ينسجم تماماً مع اسم السورة وسبب تسميتها، إذ جانب من نورها تدركه الأبصار والأسماع، وجانب آخر تدركه البصائر حين تتمعن وتدقق وتفهم فحوى تكرار "آيات بينات" ونظيراتها في السورة.

ولو دمجنا رقم (7) و (8) من قائمة النور باعتبار أن تحديد العقوبة لرمي المحصنات مرتبط بتبرئة السيدة عائشة- وإن كان حكماً عاماً- لكان عدد النور المعنوي يساوي (40)(وهو مقابل الآية رقم(40) التي تتحدث عن الظلام، وبالمقابل فإن عدد الظلام المعنوي (24) هو نفسه يقابل عدد (24) وهو النور الحسي بمتعلقاته وحواسه. وهذا الاتفاق في العدد هو للمقابلة لا للمساواة، وهو من قبيل توازي التضاد والتقابل. وإذا طرحنا العدد الدال على الظلام المعنوي من العدد الدال على النور المعنوي لكان الناتج:
40-24= 16 وهو عدد الآيات التي برأت السيدة عائشة، وما ترتب على ذلك من أحكام، حيث يظهر في هذا غلبة نور الإبانة للحق، وغلبة نور التبرئة (معنوي) على ظلام الإفك مع غيبة الدليل( معنوي).
ولو أحصينا مادة "بين" في السورة المتمثلة في صيغتي" يبين، ومبين" وكلمة"آيات" لجاءت النتيجة:
  7+7 = 14
ولو أضفنا إليها عدد تكرارات لفظ الجلالة والضمائر العائدة عليه وهو13بعد ضربها في 2 استرشاداً بقوله تعالى:"نور على نور" لكان الناتج هو:
14 +( 13X 2) = 40 وهذا هو رقم الآية التي تختم مشد الظلمات، وتنتهي بالفاصلة(ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ) .
كما أن مجموع عدد النور المعنوي إلى عدد النور الحسي هو 24+40=64 وهو عدد آيات سورة النور، ولو استثنينا لفظة النور(اسم السورة) مع إبقاء ترتيب المعنوي. على ما هو عليه لكان الناتج أيضاً 24+40=64

ولو رصدنا الآيات التي تتمركز فيها ألفاظ النور الحسي في السورة لوجدناها 35،36، 37، 38 ولو رصدنا الآيات التي تتمركز فيها الظلمات لوجدناها في آيتين 39،40.

إذن نسبة المنيرة فيها إلى المتحدثة عن الظلمات هي:  4: 2 ، أي النور هو ضعف الظلام، وهذاينسجم مع معنى المضاعفة في قوله تعالى(نور على نور). وإذا كان النور بلفظه 5 أضعاف الظلام بلفظه والنور بأدواته ومصادره 3 أضعاف الظلام وأدواته والنور الحسي والمعنوي ضعف الظلام الحسي والمعنوي 1
فإن المجموع =9، وإذا أخذنا بعين الاعتبار منطوق قوله تعالى "نور على نور" لاقتضى الأمر الضرب في 2 ليكون الناتج  = 9X2 = 18، و هذا هو رقم الجزء الذي وردت فيه السورة الكريمة. وإذا كان النور الحسي ومكوناته 10 وأضفنا إليه الشجرة المباركة والنار، باعتبارهما عنصرين ثانويين، لأصبح الناتج= 10+2=12  (1)

وإذا جمعنا الآيات التي تمثل بؤرة السورة الدالة على المقابلة بين النور والظلام وهي:  4  +2 =6      (2)
ولو جمعنا الناتجين السابقين(1) و(2)  لكان الناتج: 12+6= 18 وهو أيضاً رقم الجزء التي وردت فيه السورة.
ولو أخذنا المعادلة الأولى وضربنا في الرقم 2 حسب منطوق الآية "نور على نور" لكان الناتج:
12 X 2 =24 (رقم السورة)
فهل من قبيل الصدفة أن يتولد رقم السورة، و رقم الجزء من المعادلة الأولى؟
وعلى اعتبار أن تبيين الآيات وتوضيحها هو النور التشريعي الهادي ، وردت 7 مرات في 7الآيات: ذوات الأرقام:(1، 18، 34 ،46، 51، 59، 61)، وكلمة آيات وردت فيها أيضاً 7 مرات وبجمعها تكون النتيجة هي:7 X 3 =21 وهو عدد آيات النور الحسي وأدواته.

ولا يخفى ما في تكرار الرقم 7 من إشارة إلى عدد السموات والأرضين. وهما اللفظان اللذان أضيف إليهما النور صراحة في بداية بؤرة النور. وبجمع عدد تكرارات لفظ الجلالة إلى نتيجة المعادلة الأخيرة لأصبح الناتج هو: 13+ 21= 34، وهذا هو رقم الآية التي توطىء لبؤرة السورة النورانية" وهي: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا  من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين)  ، وفي هذه الآية الإشارة الصريحة إلى الدلالة على الهداية، وتمهد للتمثيل على نور الله سبحانه، وهي رابط أيضاً بين جلالة النور المعنوي وعلاقته بلفظ الجلالة الذي جاء مبتداً، ونور السموات والأرض الذي جاء خبراً فيما بعد.

ولو رتبنا عدد آيات بؤرة السورة الدالة على النور من اليمين إلى اليسار لكان العدد (4) ولو كتبنا بالاتجاه نفسه ومع سياق قراءة الآيات عدد آيات الظلام 2 بجانبها لكان الترتيب (24) وهو رقم سورة النور.
وهل محض الصدفة أنه كيف قلبت الأمر في الأرقام وجدت علاقة منطقية تربط بعضها ببعض دون خلل أو زلل أو خروج أو تضارب أو تكلف؟
إن التأمل في هذه العلاقات العددية المتبادلة المنتظمة الدقيقة والتي تفضي إلى نتائج من داخل الآيات موضع الدرس إلى نص السورة كاملاً، ومن السورة إليها لهو دليل واضح موضوعي صريح يثبت إعجاز القرآن الكريم في النسيج والتشريع، ويكشف عن العلاقة المتينة في انسجام النص والالتحام العجيب بين المحتوى والشكل .