الأحد, 24 مارس 2019
25 °c

مقال : حَكَمتَ.. فَعَدِلتَ.. فَأَمِنتَ.. فأُحْبِبت يا جلالة السلطان

الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 05:59 م بتوقيت مسقط

سلطان الخروصي

ما أعظم صمت العُظماء وما أجلَّ أعمالهم قبل أقوالهم، كُنا نسمع بين الفَينةِ والأخرى ونحن في ميدان الحقل التربوي كلمات النشيد الوطني حينما يصدحُ بها طلابنا "..أبشري قابوس جاء.."، لكنها لم تسترعِ انتباهنا ودلالتها العميقة؛ فلم نُعاشر مرحلة عُمان التي تطحنها الانقسامات الداخلية، ولم نمضغ كآبة العيش الكئيب،  لم نُبصِر عُمان الهُلامية التي يرويها لن السابقون من رعين هذا الوطن، أبصرت أعيُننا وأفئدتنا على رِواق هذا الجُزءِ من العالم وقد ترصَّعت عُمان تاج الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي والعلاقات الحضارية الرصينة والرزينة مع العالم، عانقنا سماء عُمان المؤسسات والحداثة وهي ترفل في نعيم التعليم والصحة ورخاء العيش، أبصرنا عُمان الحديثة وهي تُعانق الثُريَّا في تلقين العالم دروساً رائدة في أدبيات السلام الحضاري وصون كرامة الحياة البشرية وإِجزالِ الحقوق وماهية التَّشبُّث بالهوية الوطنية.

فبعد سبعة وأربعين عاما مجيدة، ها هي مجان تقدم حقبها التاريخية الماجدة للعالم والتي اتسمت بعنفوان تنمية الإنسان المُتلهف بعشقٍ حضاري خالد يزدان حبا ووئاما بين جموع الشعب وعدالة الحاكم، هي ملحمة خالدة يشدو برُبابتها التاريخ ليَسمع أثيرها جموع الأُمم والشعوب، فيرشفون من مَعِينِ جنائِنِها أُرجوزة المدنِّيَة والتحضُّر، فأضحى اسم عُمان نغمٌ تتعطَّرُ به ألسنة الطفولة الواعدة، وتصدحُ به فخراً حناجر الشبيبة الظافرة، وتلهثُ بعبقِها ألسنةُ آباءنا وأجدادنا الذين عمروا أرض مجان الطاهرة خير عِمارة، وقد تنوعت حقب التاريخ العُماني في عهد النهضة الزاخرة والتي عضَّت بالنواجذ على مفاصل المواطنة والانتماء.

إنَّ المتتبع لسيرورة الزمن العُماني في عهد السُلطان قابوس يلحظُ أنها تمضي قُدما نحو بناء مفهوم ودلالات دولة المؤسسات العصرية القائمة في المقام الأول على سواعد المواطنين، والتي تمثل باكورة الازدهار الحضاري في مختلف المجالات المدنية -سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية، أو العمرانية؛ إذ نجح السلطان قابوس في إخراج السلطنة من عمق الزجاجة إلى محافل الوجود الدولي، فأصبحت عُمان بذلك رقماً صعباً ضمن المنظومة العالمية قوامُها التبصُّرِ والحكمة والثوابت الإنسانية النبيلة نحو عيش رغيد للجميع. عاشت عُمان قبل نهضة السبعين -كما تذكر كتب التاريخ- أوضاعا صعبة شهدت فتنا داخلية طاحنة ومعارك واقتتال دام. وتسبب ذلك في تراجع اقتصادي مخيف، فغابت العدالة الاجتماعية وشهدت البلاد تدهورا ثقافيا لا مثيل عبر صفحاتها الظافرة، فعاش الناس فقراً مُدقعاً وإحباطاً مُفزعاً ألقى بظلاله على الداخل والخارج؛ وأصبحت طيور العمانيين المُهاجرة سعياً للعيش الرغيد تُبصَرُ على امتداد البصر تتقاذفهم أمواج البحار -وهم نواخذته وقباطنته بلا مُنازع- نحو العمل في الكويت، والسعودية، والبحرين، وجنوب شرقي إفريقيا...وغيرها من دول العالم الشرقي والغربي.

وفي خضم هذه الأحداث الجسام، انبرى السلطان قابوس على منصَّة القيادة وعلى كاهله إِرثٌ مُثقلٌ بالجِراح، وسط تراشق دولي كبير بين الرأسمالية والشيوعية، كان خطابه السامي بمثابة البلسم الشافي والعلاج الناجع.

وبعدما نجح جلالته في بسط سيطرة الدولة العمانية على كل شبر من أرض الوطن، أعلنها سياسة "عفا الله عما سلف"، مُتوشِّحاً في ذلك فعل النبي الكريم حينما فتح مكة فقال لأهلها: "اذهبوا فأنتم الطُلقاء"، فلم يكن جسوراً على الضُعفاء، ولا مُتعجرفاً على المهزوم، ولا سيفاً مُسلَّطا على من أعمتهُ قبليَّته أو تزمَّت بالدين والمذهب والفكر. لذا؛ خلَّد التاريخ تلك الملحمة التي دفعت جموع العمانيين للوقوف خلفه وشعارهم "ماضون خلفك لا شِقاق ولا فِتن"، كما أنه لم يحجُر نفسه ووطنه عمن كانوا أعداءه وأعداء الوطن بالأمس، فعانقت يداه جميع الدول.

أضف إلى ما سبق، فإنه لا يخفى على عين بصير الموقف العُماني الذي انتهجه السُلطان قابوس وسياسته الخارجية مع كثير من مجريات الأحداث الملتهبة، ففي المشهد الإيراني نجد أن الفكر المستنير لقائد النهضة المباركة يستوحي مبدأ الحوار والجوار بمسؤولية حضارية وتاريخية عميقة، قوامُها المصالح المُتبادلة سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا؛ فكانت السلطنة تقف موقف الحياد في الكثير من الأزمات التي تكون فيها إيران طرفا مباشرا مع دول الجوار أو مع تطورات المشهد العربي، فبعد المأساة التي عصفت بالعلاقات العربية-الإيرانية إثر حرب الاستنزاف بين العراق وإيران على مدى ثماني سنوات عجاف (1980-1988م) نجد أن الموقف العماني كان يتوخَّى الحذر لينزوي بعيداً عن التصعيد أو الاحتكام للرصاص والمدافع، بل كان يدعو إلى تغليب الحكمة والعقل والاحتكام للروح الإنسانية النبيلة. كما أن عمان هي القُطر الوحيد في المنظومة الخليجية التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع إيران باسم الإنسانية وحسن الجوار، بفضل القيادة الحكيمة والحنكة السياسية النبيلة؛ فكانت محل ثقة الإيرانيين في التعامل مع كثير من المواقف الخليجية والعربية والعالمية، ولا أدلَّ على ذلك من أن عُمان شكلت على مدى السنوات العشر الأخيرة جسر التلاحم والتواصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في وقت كان الكل يرى استحالة أن تكون هناك أي بوادر للقاء من هذا النوع لتتوج تلك اللقاءات بتوقيع اتفاقية نووية بين إيران والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في العام 2015. وعلى الرغم مما تتمتع به السلطنة من تنوع مذهبي، إلا أنها استطاعت أن تُشكل لحمة من الانسجام في دول المنطقة لتكون باكورة فريدة من نوعها في وقت تشهد فيه المنطقة غليانا مذهبيا مخيفا.

وفي الداخل العُماني، نجد أن التعامل مع كثير من الأفكار والمواقف والأزمات اتسم بالحكمة والمسؤولية الوطنية الرائدة؛ وكان التعامل المسؤول من قبل القيادة الحكيمة فريدا من نوعه ومتميزا؛ اتسم بالتعامل مع الموقف من خلال تِبيانُ الحقيقة وتبصِير من غُرٍّر بهم بضرورة التوبة والعضِّ بالنواجذِ على مُقدّرات الوطن والإيمان بقُدسيته. كما أن الكثير من المطالب الشعبية لاقت آذاناً صاغية من قبل القيادة الحكيمة؛ لأنها على قناعة تامة بأن أربعة عقود من البناء والتطوير الإنساني كفيلة بخلق جيلٍ واعٍ يقرأ الأحداث بمسؤولية وتبصُّرٍ في سبيل رفع راية عُمان خفَّاقة بين الأمم. فحقَّ للسلطان قابوس أن يفخر بوطنه وشعبه، وحقَّ للعمانيين أن يرشفوا من كأس الخلود الحضاري لباني المسيرة الظافرة، وحقَّ لنا أن نُجلجِل أقدامنا وأيدينا تصفيقاً وتعظيما للقائد الوالد، وحقَّ للجميع أن يُقلِّدوا التاريخ وساماً خالداً ويُطربوا العالم بسيمفونيتهم الهادئة الصامتة، ويغنوا أوركسترا التضحية والفداء الحقيقي بعيداً عن الهُلامية والنفاق.

بعد كل هذا، حق للعمانيين أن يُفجِّروا ينابيع الحُبِ والولاء والوفاء للقائد الوالد، وليُسمع العمانيون العالم أننا نملك نموذجاً ديمقراطيًّا نُفاخرُ به بين أرقام العمالقة، ومسلكاً سياسيًّا رشيداً أصيلاً نسير على نهجه، وحق لعاهل البلاد المُبجَّل أن يُفاخر بشعبه الوفيّ، وليرحم الشامتون والمُطبِّلون على وتر التفرقة والانشقاق قلوبهم التي تتقطَّعُ كمداً وغيضاً بإطلالة الرجل الأشمِّ وهو بوافر الصحة والعافية دون أن يكسر الشَّيبُ ظهره أو يُوهِنُ المرض هامته فهم لا يرقبون في البلاد إلاًّ ولا ذِمَّة فليموتوا بغيضهم، حفظ الله السلطان قابوس وألبسه ثوب الصحة والعافية وجعله ملاذاً للبُسطاء والفُقراء والمُخلصين لهذا الوطن الشريف، ثق أيها الأب القائد أنك ستظل نموذجاً خالداً تتعلَّمُ من هيبة صمتك وعظيم عملك الأجيال المتعاقبة.

sultankamis@gmail.com