الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : شركاء من خارج بكين!

الثلاثاء 03 أكتوبر 2017 05:58 م بتوقيت مسقط

 

عمَّار الغزالي

 

أكثر من عام كامل على ميلاد خطة التنويع الاقتصادي (تنفيذ سابقا)، وهي بالطبع مدة كافية لأن نتحدث ونقيِّم التحوُّلات الحاصلة في خُطى اقتصادنا الوطني نحو مستقبله الجديد.. لن أتحدث بالطبع عن ملامح بداية "عصر ما بعد النفط"، فهو أمر عند المستوى الحالي ليس بهذه السهولة، فمازلنا بحاجة لمصادر وعوائد مالية "متنوعة" ضخمة لإتاحة الفرصة لاختبار قطاعاتنا الأكثر كفاءة والأكثر قدرة على تحقيق العوائد المُناسبة، والحكم بعدها بما يمكن أن يشكل بديلاً مناسباً. وإلى أن يحدث ذلك ستظل الأضواء مسلطة على العديد من مكامن القوة التي لم تستغل بعد في "قاموس التنويع الجاد" لمصادر دخلنا.

وإن كان "التنويع" -كلفظ- يستوعب كل ما يرفع أسهم الإيرادات ولو نقطة واحدة، فإنَّه من باب أولى أن يكون حاضرًا كمنهجية عمل في طريقة ترجمته على أرض الواقع.. وما يدفع لقول ذلك قائمة طويلة من العناوين طالعتنا خلال الفترة الماضية، مبرهنة صورة مغايرة لإحدى دروب "ثقافة التنويع" كمفهوم إنمائي: الصين أكبر مستورد للنفط العُماني، محطة الحاويات بميناء صحار تدار بواسطة شراكة عمانية صينية بإجمالي 1.5 مليون حاوية، السلطنة تمتلك 4 خطوط ملاحية رئيسية تصل صحار بآسيا والصين، أولى محطات "استثمر في الدقم" كانت في الصين، تخصيص 900 هكتار في الدقم للمدينة الصناعية الصينية...إلخ.

وكجملة اعتراضية فقط، فالمقام هنا لا يتقصَّد النيل من جهود حملة "استثمر في الدقم" التي كانت لها بداية مبشرة قبل أيام بجمهورية الهند، نأمل أن تكلل بنجاح يستكمل ما حققته في الصين. ولكن كمعطى يفتح الباب أمام تساؤل مقلق: لماذا تقتصر البداية دائمًا على الصين؟ صحيح أنَّها التنين القادم بقوة لقيادة ليس فقط الاقتصاد العالمي، وإنما بدور فاعل وضليع بالعديد من القضايا المختلفة، ولكنَّ: ألم نُدرك شيئًا بعد من الدروس المستفادة التي كانت "أزمة النفط" الحالية حُبلى بها، والتي ينبغي ألا تغيب عن أي تخطيط منهجي الآن أو مستقبلا، وأهمها أن نهج أو سياسة "المصدر الواحد" فقط -سواءً كان موردا، أو قطاعاً تنموياً، أو شراكة اقتصادية (مهما كان ثقلها)، أو حِلفاً، أو غير ذلك- لا يُمكن أن تصنع صِمَامات أمان مع أول عارض يطرأ، والأرقام والإجراءات الاحترازية التي أُعلن عنها- ليس في السلطنة وحدها- تُغني عن كثير سطور وكلمات تصف الوضع.

نعم.. الصين بلد مهم جدًا في لعبة الاقتصاد اليوم، وفاعل قوي في المنظومة العالمية، ومهم أن تكون لنا علاقات قوية مع بكين، خصوصاً مع تشكُّل ملامح خارطة "الحزام والطريق"، ولكن ألم يكن الأجدر في ظل ملابسات الوضع حاليا أن تتجه البوصلة نحو مزيدٍ من الشراكات مُتعددة الأطراف، خصوصا وأننا ما زلنا داخل مربع "المرحلة الحرجة"، بدليل تواصل خطط الترشيد واحتمالية تمديدها، وأدلل هنا فقط بما تم توفيره في تنفيذ مشروع الواجهة السياحية لميناء السلطان قابوس، والنزول بالتكلفة إلى نصف مليار ريال، وخطط ترشيد الإنفاق على مستوى العديد من الوزارات والتفكير في إلغاء طوابق بأكملها في بعض الوزارات، والنزول بفاتورة الموازنة التنموية للخطة الخمسية من 1.8 مليار ريال إلى 1.2 مليار ريال كل عام.

وبعيدًا عن فكرة أن هذا كله خصم من زيادات كان المفروض أن تخفض أساسا قبل الأزمة، فإنّ ما أعنيه هنا أن كثيرًا من الخطوات التنموية بينها وبين توقيتات تنفيذها "معامل ارتباط" يشبه تمامًا معامل بيرسون في الإحصاء، والتوقيت الراهن يقول إننا بحاجة لبرامج استقطاب للاستثمارات من الدول الشقيقة والصديقة بشكل مدروس بتوسَّع أكثر من الحاصل الآن، وفي القطاعات الاقتصادية المختلفة، خصوصا مع اكتمال منظومة البنى الأساسية، ولدينا اليوم مناطق صناعية واعدة، وفي القادم محطة قطار، كل هذا ألا يُؤهلنا للتفكير (مجرد تفكير) في كيف نستثمر كل ذلك لنكون فعليًّا حلقة وصل تخدم الخطوط الملاحية والتجارية مع دول شرق إفريقيا من ناحية، ودول إيران والهند وشرق ووسط آسيا من ناحية أخرى، بل والدول المطلة على البحر المتوسط من ناحية الشمال؟َ!

وهي فكرة كانت محور مقال سابق بعنوان "الاقتصاد الدبلوماسي"، أوضحت خلالها ضرورة استثمار النجاح الدبلوماسي المتحقق لسياستنا في تحقيق استفادات أعظم أثراً على الجناح الاقتصادي التنموي، الذي يتوافر سوقه على مزايا تفتقد مزيدًا من الترويج؛ كالقرب من الأسواق العالمية، والتكاملية المتحققة للبُنى الأساسية، والبيئة التشريعة المواكبة للتطورات، لعقد شراكات تنموية بين عُمان والعالم، ولخلقِ فرصِ عملٍ لشبابنا (خصوصا ونحن نتحدث اليوم عن أكثر من 50 ألف باحث عن عمل)، وإيجاد إستراتيجية للحراك الاقتصادي واقتناص الفرص الاقتصادية بمختلف القطاعات.

إننا اليوم ونحن نتحدث عن نسبة انخفاض في إجمالي الاستثمارات الأجنبية بنحو 7.7%، ففي رأيي ألا مفر من التذكير بمخاطر "وضع البيض كله في سلة واحدة" كمسلَّمة المفترض أنها بديهية، خصوصًا مع بلدٍ يرنو أن تتهيأ أمامه الظروف لتحقيق شراكات توجِد أرضية قوية للحراك المتنامي نحو اقتصادٍ متين،  وتفتح أمام مستثمرينا أسواقًا جديدة، وتفتح أبوابنا أمام مزيد من الاستثمارات الأجنبية كاقتصاد قابل للاندماج واستيعاب دماء جديدة تزيد فاعليته، وترفع سقوف منافعه الوطنية.. وهو بلاشك ما ننتظر أن تواكبه فاعلية أكبر من وزارة التجارة والصناعة، والغرفة؛ والهيئة العامة لترويج الاستثمار؛ ونحن نتحسس الخطى نحو تبني مبادئ اقتصاد السوق. وكما كان البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي بمثابة دليل استرشادي نحو مستقبل اقتصادي "متنوع"، فلتكن كذلك شراكاتنا المقبلة: "متنوعة" الاتجاهات، "متنوعة" الاستفادات

[email protected]