الإثنين, 24 سبتمبر 2018

مقال : هويتنا اللغوية قوتنا الثقافية (1-2)

الإثنين 02 أكتوبر 2017 05:51 م بتوقيت مسقط

عزيزة الطائي

الثقافة هي ثمرة كل نشاط إنساني نابع من التفاعل مع البيئة المحيطة المباشرة، وغير المباشرة؛ ليعبر الإنسان من خلالها تعبيرًا خاصًا عن كل ممارسات الحياة بشتى طرقها وأشكالها وعلومها وآدابها. وهذا الفهم العام يساعد في تكوين الإطار الفكري لتحديد السمات المميزة لثقافة كل مجتمع بما فيها الخبرات والسلوك والممارسات التي تعبر عن طريقته الخاصة أثناء التفاعل الجاد مع معطيات الحياة، فتأتي الثقافة كهوية مجتمعية ينتسب إليها كل فرد.

تعيش الأسرة العربية عامة في هذا العصر فترة مخاض حضاري وثقافي، فالطفل يبحث عن ذاته في ظل موروثه وثقافته، وينشد موقعا له في ظل عالم متطور. ولم تعد الأسرة والمدرسة والمجتمع وحدها مصادر لتربية الطفل وتثقيه، بل أصبحت هناك وسائل أكثر جاذبية وتأثيرًا يتعامل معها كالشبكة العالمية، والألعاب الإلكترونية التي صار لها التأثير الأكبر على تفكيره وسلوكه واتجاهاته وقيمه.

وفي ظل هذا التحديث المجتمعي المعاش، واستشراف العالم المتطور، علينا أن نعي ضرورة الانفتاح، وعدم الانكفاء والاكتفاء بالذات. فلا بد من الوعي بالمخاطر المحتملة في الفكر والثقافة والتربية، ومواجهتها بأحدث الأساليب التربوية، إذا سلمنا بأن طفل اليوم بحاجة إلى التشبع بهذه الروح الخلاقة التي على التربية ومؤسساتها رعايتها وتنميتها وتوجيهها، بتأهيل الأطفال عن طريق الوعي  الثقافي لمواجهة متغيرات العصر التقني، والانفتاح على الثقافات المعاصرة في صيرورة الحركة الاجتماعية، وجعلهم حاضرين في المشهد الحضاري، بتوجيه تفكيرهم إلى الابتكار والإبداع.

إن اللغة أداة للتواصل واكتساب المعرفة، وهي الرابطة الوجدانية التي تربط الأفراد في المجتمع المتجانس، والدافع الذي يحرك إرادة الإنسان نحو التفكير والتعبير؛ كونها تحمل هموم متكليمها وأشجانهم، وتنظم سلوكهم ودوافعهم، وتوحد ولاءهم، وتعزز هويتهم الثقافية التي يدركون بها ذاتهم والعالم من حولهم. وفي إطار تأكيد الثقافة العربية أصبحت اللغة العربية ووظيفتها من الموضوعات بالغة الأهمية في تشكل هوية المجتمع، وفي ظل ظاهرة العولمة باتت تتشكل عدة مخاوف ونقاشات حادة؛ نظرًا لمدى تأثر لغة الطفل العربي بانعكاساتها كونه الأكثر تأثرا بمتغيرات العصر على كافة الأصعدة التي لحقت بالمجتمع. فلم يعد هناك مفر من تأثر لغة الطفل بهذا الطوفان الهائل والمتسارع من المتغيرات والمعلومات؛ نظرًا لغلبة ثقافة الصورة على ثقافة الكلمة، وأصبحت الصفحة الإلكترونية بديلًا عن الصفحات الورقية، وتأثير المدارس مزدوجة اللغات وإزاحتها للمدارس الحكومية، إضافة إلى طريقة التلقين والحفظ عند تدريس اللغة العربية، مقارنة باللغة الإنجليزية.

لقد تنبه الباحثون في علم النفس إلى أن أهم سنوات الطفولة تلك السنوات الست الأولى، لأنها تمثل مرحلة مهمة وتأسيسية تُبنى عليها مراحل النمو التالية، وعليها تتشكل شخصية الإنسان وخصائصه، ومنها اللغة التي يتواصل من خلالها مع الآخرين. وقد أكد العالم السويسري المهتم بعلم نفس الطفولة "جان بياجيه Jean Piaget" على أثر المحيط الاجتماعي، عندما أشار إلى أن الكلام لدى الطفل يتطور في مرحلتين: "الأولى: مرحلة الكلام المتمركز حول الذات، والثانية: الكلام حول بيئته الاجتماعية المحيطة به في المنزل و المدرسة". وهذا ما يقودنا إلى تأكيد دور اللغة في تحديد شخصية الطفل. فبها يعبر عن أفكاره ورغباته وميوله، ومن خلالها يستوعب البيئة المحيطة للاستمتاع بها، ويتواصل اجتماعيا مع الآخرين فتترسخ هوية المجتمع وأفراده. ولكي يتقن الطفل لغته الأم ويمارسها، فلا بد أنْ يكون الاهتمام الأسري والاجتماعي والرسمي منصبًا على تعليمه اللغة العربية السليمة السلسة ذات الدلالات الإيقاعية والمفردات المحببة في المراحل العمرية المبكرة؛ مما يبقيها لغته التي لا تتأثر بتعلم لغات أخرى لاحقًا، ولا شك أن لرياض الأطفال بالغ الأثر في إكساب السليقة اللغوية عن طريق الألعاب اللغوية، والأنشطة التعليمية التي تصقل مهاراتهم بقراءة الصور، والاستماع لحكاية، والحديث مع الأقران، والتعبير عن ذاته بالكلمة والرسم.