الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

مقال : "لأننا لا نسرق"..!

الإثنين 28 أغسطس 2017 07:53 م بتوقيت مسقط

عمَّار الغزالي

كُلُّنا شاهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يجيبُ بكلِّ ثقةٍ على سؤالٍ لأحد الصحفيين عن سر الإنجاز الاستثنائي الذي تحقَّق لتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، حين قال: "لأننا لا نسرق".. في اختصار يُجْمِلُ سنواتٍ ارْتُقِي فيها بالناتج القومي التركي إلى حدود الترليون ومائة مليار دولار، وانتقلتْ فيها أنقرة من المركز الاقتصادي الـ111 إلى الـ16 ودخلت نادي مجموعة العشرين الكبار، وأحدثتْ طفرة في مشروعات البنية الأساسية، ونموًّا في دخل الفرد إلى أكثر من 11 ألف دولار، ومعجزة خفض نسب البطالة أكثر من 20% إلى أقل من 7% فقط، وصادرات تُلامس 153 مليارًا.. وسواءً اتفقنا مع مُجمل توجُّهاته أو اختلفنا، اختصر أردوغان كل هذا بعبارة مُقتضبة تُبرز أبعادًا جديدة لنهوض وطني بأيادٍ نظيفة، أمينة.. شهِدَ لهُ به أعداؤه قبلَ أصدقائه، ومُخالفوه قبلَ مؤيديه.

أمانة بمفهوم واسعٍ شامل؛ تحفظ حُرمة المال العام من استغلال المستغلين، أمانة بعدم سرقة وقت العمل وسط استهتار بعض الموظَّفين، أمانة اتخاذ القرار الأصلح بعيداً عن الأهواء وإنْ كان الأصعب، أمانة اتخاذ القرار الأنسب ولو مقابل تنازلات عن بعض الصلاحيات، أمانة ترشيد اتخاذ القرار، أمانة تحمل المسؤولية وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، أمانة تطبيق معايير الحوكمة والنزاهة والشفافية، أمانة الإفصاح عن كلِّ ما ينبغي الإفصاح عنه، أمانة العطاء للوطن مهما كثُر المتقاعسون، أمانة مُصارحة الذات وإصلاحها وتعظيم التزامها بالقوانين.

نعم.. كلُّ هذه استنتاجات تُقرأ من "لأننا لا نسرق"؛ فالفضاء العام للدولة مسؤولية الجميع، وتعميره وإعماره ليست وظيفة حكومية لا دخل للمواطن بها؛ بل إنَّ أبجديات المواطنة ومسؤوليات الشَّراكة لبناءِ وطنٍ حقيقيٍّ، تضع على كاهل الجميع أمانة الحفاظ على المقدِّرات، والبناء على ما تحقَّق، والوفاء بالمسؤوليات كلٍّ حسب موقعه. فأمانة المسؤول تستوجب منه تنفيذ الخطط والإستراتيجيات، وإنفاذ القوانين، ومتابعة تحقيق مصالح المواطنين، والاستماع لشكواهم، والإفصاح عن كلِّ ما يدعم زيادة الانتاجيه وإزالة العراقيل؛ وذلك لالتقاط إشارات فلسفة "التدبير الوطني العمومي" التي أرْسَى دعائمها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، وهو يشرع قبل 47 عامًا في إرساء مفهوم جديد لبناء الدولة، إيذانًا ببدء مرحلةٍ جديدةٍ في تدبير الشأن العام، أساسها خدمة المواطن وتحمل مسؤولية التعاطي مع مشاكله.

وكما هي أمانة المسؤول، فعلى قدرها أمانة الموظف -إذ إنَّ كلاهما يشترك في أصل الأمانة بموجب مسؤولياتهم كمواطنين بالأساس- فكم نسمع وكم نتحدث عن موظفٍ يتعمَّد عدم إنجاز مُعاملات المراجعين؟! ومُعلِّم يُفرط في رسالته فلا يؤديها كما ينبغي؟! ومهندس يغشُّ في عمله؟! ومصنع لا يلتزم بمعايير الجودة في منتجاته؟! وأنين مرضى وشكوى ذويهم من خدمات دون المستوى؟ وصاحب ورشة يقوم بتغيير قطع والتدليس والغش على المستهلكين؟! وفارق كبير بين مواصفات منتجاتنا ومنتجات غيرنا؟! ومدير يحتجب عن المراجعين في مكتبه، وهم يقفون في طوابير بانتظار تشريفه لهم بتخليص معاملتهم؟! وعامل استؤمِن على مالٍ أو مُمتلكات أو مزرعة أحد المواطنين فأتى عليه؟! وتوسيد العمل إلى غير أهله، وسوء استخدام الصلاحيات والسلطات أو توجيها لمصلحة شخصية!!

لذا؛ فلمَّا أراد أن يختصر أردوغان المسافات بين النظرية والتطبيق، لم يجد طريقًا أقصر من الأمانة "لأننا لا نسرق".. "لا نسرق" فالأداء الحكومي لدينا يُواكب التطوُّرات والمستجدات، وعلى مستوى الأحداث والأزمات.. "لا نسرق" فلا تجد تكاسلًا واسترخاءً وتقاعسًا عن أداء الواجبات الوطنية.. "لا نسرق" فالموظف يؤدي عمله بإتقان، وفي وقته، دون تأخير أو تعطيل، أو تلاعب أو تساهل، أو إخلال أو تقصير.. "لا نسرق" فلا تجد في مؤسساتنا من يُبكِّر إلى دوامه لا لأجل إنجاز الأعمال المناطة به، بل ليوقِّع الحضور ويشرب قهواه ويتصفَّح الجريدة ويستفيد من خدمة "الواي فاي" المجانية.. "لا نسرق" فالعبادة والعمل لدينا صِنْوَان لا يفترقان، وقيمتان متلازمتان.. "لا نسرق" فالأمانة ثقافة عامَّة لدينا وخُلُق واقع وسلوك حي نعيش به.. "لا نسرق" فالإتقان يحتاج مُجاهدة ومُغالبة.. "لا نسرق" فنحن نرفض ضعف الإنتاجيات، والتهرُّب من المهام.. "لا نسرق" فقواميس الوطن لا تحمل مكانًا للتقصير والإهمال.. "لا نسرق" فالكد عنواننا والاجتهاد سبيلنا والإتقان غاية أخلاقياتنا.. "لا نسرق" من أجل واقع أفضل لوطننا وحاضر أرقى لنا وللأجيال القادمة.. "لا نسرق" فديننا يحثُّ على سُمُو غاية العمل والاجتهاد في إتمامه وإتقانه.. "لا نسرق" تصديقًا لقول رسولٍ كريم: "إنَّ الأمانة نزلتْ في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن.."؛ أي أنَّ الله تعالى جَبَل القلوب الكاملة على القيام بحقِّها.

... إنَّ قصة النهوض الوطني، تحتاج زمانًا ومكانًا وشخوصًا ومسرحًا للأحداث؛ إلا أنَّ قوتها الأساسية تتوقف على إيمان شخوصها بأمانة مسؤوليتهم والاضطلاع بأعمالهم بكفاءة وإتقان وإخلاص، حينها فقط يُمكننا الحديث عن نهضة حضارية مُحقِّقة للخير والعمران، حضارة إعمار واستمرار، حضارة تستنهض الهمم أكثر من أي وقت مضى؛ فنموذجنا التنموي الوطني الذي أُسُسَ بنيانه بقوه ويزداد منسوب الثقة الدولية فيه يومًا تلو الآخر، لا يستدعي من الجميع -وبشكل تضامني- شيئًا، سوى تحمُّل كل فرِّدٍ لمسؤولياته بكل أمانة واقتدار.