الأحد, 23 سبتمبر 2018

مقال : الحوسبة السحابية ومستقبل العالم الافتراضي (2-2)

الإثنين 03 يوليو 2017 08:14 م بتوقيت مسقط

 

 

عبيدلي العبيدلي 

 

كل تلك الأرقام والإحصائيات، وأخرى كثيرة غيرها تؤكد مجموعة من الحقائق يمكن رصد الأهم بينها في النقاط التالية:

  • أنّ سوق الحوسبة السحابية تفرض نفسها بقوة على الاقتصاد العالمي، ومعه الاقتصادات الإقليمية على الصعيدين الكمي من حيث حصتها في قيمة تلك الأسواق، والكيفي على مستوى فرضها سماتها ومقاييسها، بل وحتى وسائل وقنوات توزيعها على الجزء الرئيس من معالم الصناعة الافتراضية في الحاضر والمستقبل المنظور. وهذا يزودها بالقدرة على الاستمرار من جانب، ويمكنها من النمو المضطرد من جانب آخر. وعليه فالاقتصاد الباحث عن موقع متميز في الاقتصاد الافتراضي مطالب بأن يوهل نفسه لمتطلبات الحوسبة السحابية ومقومات استيعابها.
  • إن هذا الحضور ستكون له انعكاساته المباشرة وغير المباشرة على عناصر الاقتصاد التقليدي الأخرى، وعليه فمن يريد أن يوفر عناصر ثبات وتطور ذلك الاقتصاد التقليدي الخاص به، لا يملك إلا أن ينخرط، وعلى نحو مباشر، في آليات التأهل كي يكون جزءا فاعلا من أسواق الحوسبة السحابية، من جانب، ويتمكن من امتلاك القدرة على المزج بين التقليدي والافتراضي من جانب، والتحول التدريجي الكلي نحو الحوسبة السحابية من جانب آخر.
  • من الاستحالة بمكان، أن تكون مثل هذه البصمات العميقة للحوسبة السحابية على الاقتصادات العامية، دون أن يكون لها انعكاس آخر على الأوضاع السياسية في بلدان العالم كل على حدة من جهة، والعلاقات الدولية التي ستنظم ساحة العمل السياسي العالمي من جهة ثانية. من ثم فستولد الحوسبة السحابية آليات ضبط إيقاع تلك الساحة، وسيتناسب حضور وتأثير كل دولة طرديا مع حصة الحوسبة السحابية في اقتصادها الوطني.
  • من الطبيعي أن تتفاعل تأثيرات التحولات الاقتصادية سوية مع التطورات الاقتصادية التي ستتمخض عنها الحوسبة السحابية كي تنعكس بدورها على الواقع الاجتماعي على الصعيدين الدولي العام والوطني الخاص. ومن ثم فيشهد العالم تحولات بنيوية في التركيبة الديموغرافية في ذينك المستويين. عليه سيشاهد العالم قوى اجتماعية بسلوك اجتماعي مختف نوعيا عما هو الحال في الوقت الحاضر. وحدها المجتمعات التي ستبني البيئة الافتراضية المناسبة لاستيعاب التحولات التي ستفرضها الحوسبة السحابية، ستتمكن من تحاشي الانقلابات الاجتماعية الجذرية المفاجئة والمشكلات لاتي ستصاحب مثل تلك الانقلابات.
  • أن الحوسبة السحابية التي سنتعامل معها في 2020 ستكون مختلفة، كما تقول الكاتبة مرام مكاوي "عما هي عليه الآن. فسيزداد استقلال البرمجيات عن بيئة الأجهزة والمعدات بحيث تبرمج على أن تكون صالحة للعمل على أي جهاز بغض النظر عن الشركة المصنعة، وستتحول هذه البرمجيات نفسها إلى مجموعة من الخدمات والمستقلة المرتبطة مع بعضها بتقنيات خاصة لأداء المهام المطلوبة، مما سيجعل الحوسبة الرقمية تبدو بشكل عام وكأنها غير مرئية كما يقول جون مانلي من شركة HP. ومن أجل ذلك فإن البرمجيات ستكتب على هيئة وحدات (modules) قادرة على العمل بشكل حر ومستقل عن بقية البرنامج الذي كُتبت كجزء منه ابتداء... ويتوقع أن يسهم ذلك كله في انخفاض سعر الأجهزة والبرمجيات والسحب الإلكترونية تبعاً لذلك مع زيادة هائلة في السرعة وإنجاز المهام. وسيتم تقسيم السحب إلى خدمات مختلفة تصنف وفقاً لإمكانياتها ومزاياها إلى درجات متباينة في الجودة والأداء والقيمة".

 

ومن هنا ينبغي التهيؤ لمواجهة التحديات التي يفرزها التحول نحو اقتصاد الحوسبة السحابية، والتي يمكن التوقف عند الأبرز بينها في النقاط التالية:

  • نقل البيانات والبرمجيات وترحيلها، خاصة بالنسبة لتلك الضخمة والمعقدة منها، والتي تم بناؤها لتلبية احتياجات معينة محددة. فمن أهم سمات الحوسبة السحابية هي عموميتها، ومن ثم فقد يجد بعض من يرغبون في التحول من البيئة الإلكترونية التقليدية إلى تلك السحابية مطالبين، إما القيام بتلك العملية معتمدين على إمكاناتهم الذاتية، أو بتعهيدها لجهة أخرى خارجية، وفي كلتا الحالتين هناك ضرورة لتحمل أكلاف قد تكون باهظة، إلا في حال قدرة المنخرطين في تطوير برمجيات الحوسبة السحابية تتمتع بدرجة عالية من المرونة تمكنها من التعامل مع تلك الأنظمة الباحثة عن وسيلة للترحيل السلس والذي تتوفر فيه درجة عالية من الكفاءة تضمن عدم ضياع أي من بينات النظام الأصلي.
  •  مستوى الحماية ودرجة الأمان، فعلى الرغم من اقتناع نسبة عالية من مستخدمي خدمات تقنية المعلومات والاتصالات بضرورة التحول نحو الحوسبة السحابية، لكن الهاجس الأمني يقف عائقا قويا أمام الرغبة في التحول. فمن الناحية النفسية المحضة، ما يزال البعض يؤمن أنه "عندما تُخزّن بيانات زبائنك في خادمٍ خاصّ تملكه أنت، لن تقلق من احتمالية قرصنتها كما ستفعل عندما تُخزنها في خوادم ليست بمتناول يدك". لكن الرد على ذلك يأتي ممن يستخدمون هذه الخدمة، والذين يؤكدون أن "احتمال تعرّض الخوادم الدّاخليّة إلى حرائق أو تهديدات أمنية أخرى تفوق احتمال تعرّض السحابة الإلكترونية إلى القرصنة أو اختراقات أخرى، (وأن تعزيز الأمن السحابي) يمكن أن يعزز عن طريق المصادقة متعددة العوامل (multi factor authentication)".
  • الجوانب التشريعية، حيث إن جوهر الخدمات التي تقدمها الحوسبة السحابية تنطلق من أرضية تجاوز الزمان والمكان على حد سواء، الأمر الذي يقود إلى بروز خلافات مصدرها تعارض القوانين والأنظمة، بما فيها تلك التي تنظم صناعة وسوق الحوسبة السحابية بين بلد وآخر، ومن ثم تبرز ضرورة وجود منظومة عالمية تتولى وضع أسس راسخة تسير العلاقات التي تولدها بيئة الحوسبة السحابية.

 

كل ما تقدم يقودنا نحو حقيقتين لا يمكن تجاوز أية واحدة منهما، أن الحوسبة السحابية قادمة وباقية وهي التي ستفرض شروطها لبناء المجتمع الافتراضي القادم، وأن الخاسر الوحيد من ستسول له نفسه الابتعاد عنها، أو رفض الانخراط فيها كصناعة أو كسوق.