الثلاثاء, 19 سبتمبر 2017
31 °c

مقال : الصِّراع من أجل الذات

الأربعاء 14 يونيو 2017 03:58 م بتوقيت مسقط

عبدالله العجمي

تُشير الدلائلُ إلى أنَّ "الصراع من أجل الذات" مُشكلة أزلية للإنسان منذ بَدْء الخليقة؛ فمنذ أنْ خلق الله تبارك وتعالى أبانا آدم -عليه السلام- نظر إليه إبليس تلك النظرة السلبية الاستعلائية والتي لم يستطع معها أن يستسيغ أوامرَ المولى عزَّ وجل بالسجود إليه، رغم أنَّه قد بلغ حينها درجة العابد الزاهد، لكن ذلك لم يشفع له بل أهلكته هذه النظرة التكبرية التي جعلته ينظر للأمر من جانب واحد وبمنظور ضيق: "قَاْلَ مَاْ مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَاْلَ أَنَاْ خَيْرٌ منْهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" (الأعراف:12)، وهكذا وبعدما استوطن هذا الإنسان هذه الأرض وقعت أولى الجرائم في تاريخ البشرية بسبب هذه النظرة أيضاً، إذ نظر قابيلُ إلى أخيه هابيلَ نظرة تدل على أنه كان مختنقاً في ذاته، فلم يتحمل أو يُطِق أن ينظر لأخيه وهو في حالٍ أفضل منه، فجرفه هذا الانحدار في التفكير إلى قتل أخيه: "وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالحَق إِذْ قَربَا قُرْبَانًا فَتُقُبلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنكَ" (المائدة:27).

وهكذا تدرَّج الإنسانُ وهو يعيش حركته الوجودية في بلْوَرَة هذا الصراع ليأخذ أشكالاً وصوراً عديدة؛ فكانت أغلب هذه الأشكال والصور نابعة من نظرته إلى غيره؛ من خلال بُعد مُتصل بذاته هو، فأخذ يُفصل ويلبس ما يدله عليه فكره في هذا الجانب دونما اعتبارٍ لأي موضوعية في الأمر، فنراه مثلاً قد تعبد لذاته من خلال ما رآه من قوةٍ وعضلاتٍ وخصوصياتٍ يتمتع بها دون المرأة، ليسوقه تفكيره الناتج عن نظرة فوقية إلى أنه أفضل منها، وتمادى ليوحي إلى نفسه بالتالي بأنه الأعقل والأقوى منها -أي المرأة- فلم يتورَّع في أن يأخذ الأمر هذا البُعدَ النوعيَّ والتنوُّع البشري بينه وبين المرأة.

ثمَّ انتقلتْ عَدْوَى هذه النظرة الاستعلائية لتصل إلى الألوان، فكانت نظرة الناس للون الأبيض أنه أشرق من الأسود؛ لذا خُيل لأبيض البشرة أنه أكثر شرفاً وإشراقاً، فكون نظرةً فوقيةً ينظر من خلالها إلى بقية الألوان كالأسود والأصفر والأحمر، لتتنوع بعدها الأعراق وتتعدد القوميات انطلاقاً من هذه النظرة، حتى إنَّ البعضَ بدأ يبحث عن تفوُّق عرقٍ على عرق ليربطه بالجغرافيا والتاريخ الذي لا دور لأحد فيه، لأن التاريخ لم يكن يوما ملكا لأحد، وإن كنا من نتاجه، لكنه هو ملكٌ لمن صنعوه وعاشوه وحدهم.

أتى الإسلام ليفك هذا الاشتباك الحاصل بين الذات والنظرة للآخر؛ فرسم منهجية موضوعية إنْ التزم بها الإنسان سما وعلا بنفسه، منهجية مؤداها أنه وإن كان على حق، فعليه التفكير بطريقة سلمية وعقلانية تمكنه من نقل هذا الحق إلى الآخر، مُستخدماً وسائلَ تُقنِع الآخر، بشرط أن نمتلك الإرادة التي تمكننا من تفهم وجهة نظر الآخر، وسعة البال الذي يجعلنا مُتقبلين للاستماع لوجهة نظره؛ وإن لم نقتنع بها. لم لا يفكر الواحد منا في أنه بحواره وانفتاحه على الآخر قد يستضيء من وجهة النظر المقابلة؟ وقد تغيِّر له نظرته لأمرٍ ما؟ وقد توسِّع مداركه لتصل إلى فكرٍ أسمى من فكره الذي يحمله؟ فكم وكم من المفكرين قد بنوا فكرهم على نظرية محددة، ولكنهم وبعد زمن اكتشفوا خطأ هذه النظرية سواءً من خلال حوار أو تفكر أو تأمل، ليعيدوا رسم فكرهم من جديد.

إنَّ من تُسيطر عليه عقدة الذات ليختبئ داخل ذاته رافضاً الغير، لا يملك قوة للدخول مع هذا الغير في نقاش أو حوار ولو بسيط، بل نراه ينسحب ويهرب قبل البدء بأي نقاش، فهو يعيش في صومعة لا يستطيع الخروج منها، لأنه إما أنه يعيش في ذاتيته أو في ذاتية رسمتها له طائفته أو بيئته أو عرقه أو مذهبه، فحينما لا يملك الشجاعة ليواجه بفكره فكراً آخر فإنه سيلجأ حينها إلى قمع الآخر.

إنَّ على كل منا أن ينطلق من مبدأ أن الفكر هو من يحاور الفكر، لا أن ينطلق من أن الذات تفترس الذات المخالفة لها، وهذا ما يُمكن أن نعول عليه لفتح باب التطور الفكري على مصراعيه لينطلق في أفق توحيد النفوس وتآلف القلوب، سواء على نطاق وطني أو قومي أو إسلامي.. وما أكثر شعارات التوحُّد التي أُطلقت ولكنها للأسف مُزِّقت قبل أن تولد؛ لأنَّ الوسائل المستخدمة لهذه الشعارات بعيدة عن الموضوعية التي ابتغاها لنا الإسلام؛ فقد سجنا ذواتنا في دوائر ضيقة لا تقبل الحوار ولا ترتضي بالتعايش مع طرفٍ يخالفها في الفكر؛ فأضاع الخوفُ من النقاشِ مفتاح هذا السجن الذي نقبع فيه.

بفكرنا نستطيع أن نتقبَّل الآخر، وبتحاورنا سنتحد ونتعايش، وبنقاشنا مع غيرنا سنسد الثغرات على كل من يحاول أخذ ثرواتنا أو العبث باقتصادنا، أو مصادرة سياساتنا واللعب بأمننا، فلنكن أمة تتحد كجسد واحد يشكل قوة أمام كل الجراحات التي نهشتنا، ولنحاول أن نخرج من هذا السجن الذي صنعناه لأنفسنا أي من سجن ذواتنا إلى أفق الوحدة والتوحد، ولننطلق من زوايانا الحاضرة إلى آفاق مستقبلنا؛ فلنغير أنفسنا كما أمرنا الله تعالى حين قال: "إِن اللهَ لاَ يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد-11).

* رئيس لجنة الثقافة والتعليم بالاتحاد العربي الإفريقي للإعلام الرقمي