الجمعة, 24 نوفمبر 2017
21 °c

مقال : مجتمع الخَيْر

السبت 10 يونيو 2017 06:28 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

يَومًا تلو الآخر، تَسْمُو شمائلُ الشخصيَّة العُمانيَّة، ويَبِيْن نقاءُ سريرتها المُحبَّة للخير، وطبائعها المقدِّسة للبذل والعطاء، ليس كمفردةٍ تُميِّزُها إنسانيًّا فحسب، وإنمَّا كعقيدةٍ راسخةٍ لها أصُوْلها في شَرْعِنَا الحنيف، الذي يستقي منه العُمانيون مُوجِّهاتهم الحياتية والمعيشية، ليأتي رمضان مُجدِّدًا في النفوس الكثيرَ من تلك القيم النبيلة والأخلاقيات السَّمحة، ومحفِّزاً بداخلنا مَيْلنا الفطري للعطاء بشتَّى أشكاله وتفرُّعاته؛ فتتوزَّع محطَّات "إفطار الصائم" باسِطَةً موائدها على امتداد الطرقات والشوارع والجوامع بتنظيمٍ أهليٍّ خالصٍ، وتتعاظم جُهود فرق العمل التطوعي في مُختلف القرى والولايات، متلمِّسة حوائج البسطاء لتأمينها، وتتبارَى الجمعيات الخيرية فيما بينها إمَّا لضمان وصول الحصص التموينية لمستحقيها، أو لرعاية المسنين والأيتام والمعوقين وتقديم العون لهم، مُتسلِّحةً في ذلك بثقافة نبويَّة اختصارُها: "سُرورٌ تُدْخِله على مسلم".

وعلى ما تستحقُه جُهود حكومتنا الرشيدة - مُمثلة بوزارة التنمية الاجتماعية - في هذا السياق التكافلي من إشادةٍ، إلا أنَّ رَوْح العَطَاء التي تسري من العُمانيين مسرى الدم تسترعي الانتباه وتستحق الوقوف والدراسة، كطابعٍ مُجتمعيٍّ أصيلٍ مليء بالحراك الإنساني عميق الدلالات، والمُبادرات الإنسانية -جماعية كانت أو فردية- التي تَرْمِي لتقوية أواصر التماسُك والتلاحُم بين طبقات المجتمع كافة؛ مما يحفظ على مجتمعنا تضامنه، وتماسكه، وقوة نسيجه، ولُحمته الوطنية.

لقد فَقِه أسلافُنا العُمانيون مُبكرًا أنَّ القيامَ على أمرِ الناس وتفقُّد حاجياتهم، ومُواساة فقرائهم ومساكينهم والأخذ على أيديهم، خلقٌ إسلاميٌّ رفيع، وأنَّ حقيقة الدين ليست في العبادات الظاهرية والشكلية فحسب، وإنَّما جوهره وأساسُه هو المعاملة الحسنة، والسعي على قضاء حوائج المحتاجين، ومساعدتهم، وإسعادهم، وإدخال السرور إلى قلوبهم؛ كنواةٍ صلبةٍ لمجتمع مُتكافل، وبمثابة صمام أمان لما تحقق من مُنجزات على المستوى الحضاري والتاريخي والثقافي والفكري. إذ لا يقف التكافل الاجتماعي عند تحقيق مَصَالح أبناء الجيل الحاضر وحدهم، بل يتعداهم إلى نظرة شاملة تضع في الاعتبار مصالح أجيال المستقبل، فمشاركة أفراد المجتمع في المحافظة على المصالح العامة والخاصة، ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية، تُشْعِر كلَّ فرد بأنه إلى جانب الحقوق التي له، عليه واجبات للآخرين، ابتداءً من المحيط الأسري القريب، وصولاً إلى محيط أكبر نلتقي فيه تحت هُويتنا الدينية والمجتمعية والوطنية.

فحالة الاستنفار العطائي -إنْ صحَّ التعبير- التي تعيشها مختلف ولايات السلطنة طوال أيام شهر رمضان المبارك -انطلاقا من كَوْن العملِ التطوعيِّ هو المعبِّر الحقيقي عن تكاتف أبناء المجتمع- ما كان لها أن تتجلَّى بهذه الصورة ما لم تكن هيَّأت لنفسها أرضيةً واسعةً طوال العام بمُبادراتٍ إنسانية خيرية، تزيد الأُلفة والتقارب وترفع مُسبِّبات العَوْز والحاجة، إذ إنَّ الدورَ المعنويَّ الذي تؤديه هذه المبادرات له وقع أكبر وأعظم أثرًا، مدعوماً بالحبِّ والوفاءِ والإيثارِ والمشاركةِ الوجدانيةِ. ومن أبرز هذه الجهود التطوعية: مبادرة "فك كربة" التي تقوم عليها جمعية المحامين العُمانيين؛ لتسديد ديون المعسريْن وفك كربة سَجْنِهم، وهي المبادرة التي تُكمل بنجاح عامها الثالث، بعدما أدْخَلَت السَّعادة ورَسَمَت البَسْمَة على شفاه وقلوب كثير من معسري أبناء هذا الوطن خلال العاميْن الماضيين. ومن ذاكرة التاريخ أستحضر تجربة إعصاريْ جُونو وفيت، ومن بَعْدِهما أشوبا، والتي بقدر ما خلَّفوه من خسائر، بقدِّر ما برهنوا على تلاحُم عُماني وتعاضد متين، تكافل فطري لا تُنظِّمه لوائح ولا تحدِّده قوانين، قدَّم نماذج مُضيئة وخالدة لعطاء عُماني غير محدود.

وكمثال إيضاحي فحسب، وإلى جانب التلاحُم المجتمعي الدَّاخلي المتين، مثَّلت عُمان نموذجاً للعطاءِ الإنسانيِّ العابر للحدود، بحصولها على مراكزَ مُتقدِّمة في العطاء وعمليَّات الإغاثة، لا سيما خلال العقود القريبة الماضية؛ بتبنيها نهجاً إنسانيًّا، ينطلق من ثوابت وأسس واضحة الرؤى ذات أبعاد إنسانية وأخلاقية؛ فالمساعدات الإنسانية والإغاثية، التي قدَّمتها وتواصِل تقديمها سواءً للأشقاء السوريين واليمنيين والفلسطينيين وقوافل الإغاثة التي تتجه كلَّ فترة إلى إفريقيا، تستهدف جميعها مواجهة التحديات الإنسانية، التي تواجه الشعوب والمجتمعات في المناطق المختلفة من العالم، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.

... إنَّ عديدَ المُبادرات الإنسانية التي تنظِّمها وتقوم عليها جمعيَّاتنا الخيريَّة وفرقنا التطوعيَّة ولجان التنمية المختلفة، لهي دليل بائن على أنَّ العطاء والتكافل والإيثار والتعاضد قيمٌ مُميِّزة لمجتمعنا الخيري، لابد لها أنْ تزداد رسوخًا في نفوس الأجيال الحالية والقادمة، وأن تظلَّ موروثاً قِيميًّا يحفظُ التوازنَ والانسجامَ البنيويَّ داخل المجتمع، وأن تَتَضَافر جهودُنَا للحفاظ على بنائنا القيمي، وتدعيم فلسفة "النبض الواحد"؛ إذ لا يزال هناك الكثيرُ من العمل ينتظرنا. فمع اتساق القوانين والتشريعات وتهيئة المناخ المناسب للعمل التطوعي وتزكيته، يبقى من المهم التوصُّل لـ"ثقافة التطوع" كمعنى وسلوك يمتدُّ ليشمل ظواهر عديدة في المجتمع. ومن هُنا، تأتي ضرورة ضخِّ دماء جديدة للتطوُّع والقيام بالأعمال التي تُذكي الانتماء، وتدفع لبذل مزيد من الجهود لتلبية احتياجات المجتمع، كقيمة إنسانية كبرى تكتسب أهميتها وموقعيتها من قول النبي الكريم: "مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثلُ الجسد الواحد، إِذا اشتكى منه عضو، تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى".