الجمعة, 21 سبتمبر 2018

استحواذ "ميديا" على "كوكا" يلفت انتباه العالم إلى طفرة في تغيُّر معطيات النمو الاقتصادي

مستقبل الاقتصاد الصيني في يد "الروبوت" الألماني.. التكنولوجيا تقود

السبت 06 مايو 2017 08:03 م بتوقيت مسقط

1
3

الرُّؤية - هيثم الغيتاوي

حِيْن عَرَضت شركة ميديا الصينية -المتخصِّصة في الأجهزة المنزلية والإلكترونية- زيادةَ حصَّتها البالغة 10% من أسهم شركة كوكا الألمانية "KUKA" -المتخصصة في صناعة "الروبوت"- إلى نحو 95% "تَكَهْرب الجو"، ليس فقط على مُستوى العلاقات الصينية-الألمانية، وإنما زَاد الأمرُ من قلق الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من طموحات "التنين الصيني".

رَاوَغت الحكومة الألمانية في البداية بدَعْوَى أنَّ قانون التجارة الخارجية لوزارة الاقتصاد يَمْنحها الحقَّ في فحص صفقات البيع التي تَسْمَح لمستثمر من خارج دول الاتحاد الأوروبي بالاستحواذ على حِصَّة لا تقل عن 25% من أسهم أيِّ شركة ألمانية؛ للتأكُّد مِمَّا إذا كانتْ الصفقة تُمثِّل تهديدا للنظام أو الأمن العام في ألمانيا، وعندئِذ يُمكن منع الصفقة أو تمريرها بشروط، وينطبقُ هذا الإجراء بشكل خاص على القطاعات الحيوية؛ مثل: الاتصالات، وإمدادات الكهرباء والمياه. وفي النهاية، لم تملكُ وزارة الاقتصاد الألمانية إلا إعلان مُوافقتها -في 20 أغسطس الماضي- على صفقة استحواذ مجموعة ميديا الصينية على شركة كوكا الألمانية، بعد مراجعة الصفقة للتأكد من عدم وجود أي دلائل تفيد باحتمال تهديد النظام العام أو أمن ألمانيا من خلال الصفقة.

وقالتْ الشركة الرائدة في صناعة الإنسان الآلي كوكا، إنَّها تعتقدُ أنَّ عَرْض شركة ميديا الصينية للأجهزة المنزلية للاستحواذ عليها مقابل 5 مليارات يورو (5.6 مليار دولار)، يُمكن أنْ يُعزِّز فرصها في السوق الآسيوية سريعة النمو. وأكَّد تيل رويتر الرئيس التنفيذي للشركة الألمانية -أمام الجمعية العمومية السنوية للشركة- أنَّهم دَرَسوا عرضَ "ميديا" لمعرفة ما إذا كان يدعم إستراتيجيتها الرامية لمضاعفة أرباحها خلال 4 سنوات لتصل إلى مليار يورو في الصين؛ باعتبارها أكبر سوق للإنسان الآلي في العالم. وأضاف رويتر أمام المساهمين في الاجتماع السنوي: إنَّ "وجود شريك يُمكن أن يَدْعَم هذه الإستراتيجية، ويُعطينا مساحة أكبر للوصول إلى السوق، سيكون مَيْزة بالنسبة لشركة كوكا".

فما دَوَافع الصين لإتمام الصفقة، وما مُبرِّرات القلق الألماني؟

لَيْس سرًّا ولا جديدًا طُموحات الشركات الصينية في السوق الألمانية من خلال التوسُّع في اختيار الشركات الألمانية للاستحواذ عليها، خصوصا في القطاعات الصناعية الرئيسية. وبشكل عام، حقَّقتْ الاستثمارات الصينية في ألمانيا وبريطانيا أرقاماً قياسية عام 2016؛ إذ بلغتْ نحو 200 بليون دولار، بارتفاع نسبته نحو 40% مقارنة بالعام 2015، وفقاً لما أظهرته دراسة أصدرتها مجموعة "ميريكس آند روديوم جروب" للبحوث في الشؤون الصينية في ألمانيا. وبلغتْ قيمة الشركات والمشاريع التي اشتراها صينيون في أوروبا العام الماضي نحو 35 بليون يورو، بزيادة 77% مقارنة بالعام 2015، وتأتي ألمانيا في المرتبة الأولى للاستثمارات الصينية؛ حيث بلغتْ حصة ألمانيا منها 11 بليون يورو، أو 31 %.

وتاريخيًّا، سَبَق وشهدتْ المرحلة بين 1911 و1941م تعاونًا واسعًا في المجالات التجارية والعسكرية بين الصين وألمانيا؛ حيث سَعَت الصين بعد إسقاط الحكم الملكي إلى تحديث كلٍّ من القوات المسلحة والصناعات العسكرية. وفي الوقت ذاته، كانت ألمانيا بحاجة للمواد الخام، وقد مهَّد ذلك إلى علاقات وثيقة بين ألمانيا والصين طوال هذه المرحلة. لكنَّ الجديد هذه المرة أنَّ المستثمرين الصينيين يشعرون بضغط المنافسة الدولية، وحاجتهم الدائمة والسريعة لتحسين وتطوير التكنولوجيات والعلامات التي يعملون بها، كما أنهم يركِّزون على زيادة رأسمالهم وقدراتهم المالية لشراء الأفضل بهدف تعزيز إنتاجهم وتنويعه، وفتح أسواق جديدة لهم، خصوصاً في ظل معاناة اقتصاد بلادهم من تراجع في النمو، وفي التصريف في الخارج. وينعكس هذا الضغط على طرق الاستثمار التي يعملون عليها في أوروبا؛ إذ أظهر رجال الأعمال الصينيون العام الماضي اهتمامات كبيرة في مجال شراء تكنولوجيات متقدمة، خصوصاً فيما يتعلق بتحضير البضائع للتصدير، وفي مجال الطاقة وطرق استخداماتها، ومجال النقل والتسليم والبنية الأساسية، كما في مجال الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات ووسائل التسلية.

لذلك؛ فإنَّ "امتلاك التكنولوجيا المتقدِّمة" هو كلمة السر في القلق الألماني والأوروبي، بل والأمريكي، من مساعي الصين للحصول على المعرفة الفنية والتقنية وتحويل منتجاتها إلى علامات تجارية عالمية. ويأتي ذلك في إطار شكاوى متكررة للولايات المتحدة الأمريكية من الهجمات المتكررة التي تقوم بها الصين وشركاتها على المؤسسات الأمريكية من أجل شلِّ أنظمتها الحاسوبية والوصول إلى أسرارها، حتى إنَّ واشنطن ترى أنَّ إطلاق مُنتجات شبيهة جدا بالمنتجات الأمريكية -حتى قبل صدورها أحيانا- دليلٌ على "قرصنة" المعلومات التي تحصُل عليها الصين من خلال الهجمات الإلكترونية؛ مما يلحق الأذى بالاقتصاد الأمريكي، ويحد من قدرة الشركات الأمريكية على المنافسة في الأسواق.

وَيَرى مُحلِّلون أنَّ الإستراتيجية الصينية المستقبلية المعتمدة على الاستهلاك الداخلي كمحفِّز للنمو، ستضعف؛ كون بكين إحدى الأسواق الرئيسية للسلع الألمانية، خصوصا وأنَّ نصف صادرات الاتحاد الأوروبي للصين تأتي من ألمانيا، و25 في المائة من واردات التكتل الأوروبي من بكين تتجه إلى برلين. كما أن ارتفاع الأجور في الصين يلعب دورا اقتصاديا مزدوجا؛ فهو يُعزِّز مُستويات المعيشة، ويرفع من مستوى الاستهلاك المحلي، لكنه في الوقت نفسه يفتح آفاقا للصادرات الألمانية، فضلا عن أنَّه سيجعل فاتورة الواردات الألمانية من الصين مرتفعة، نظرا لارتفاع أسعار المنتجات الصينية مستقبلا من جراء ارتفاع الأجور؛ لذلك ترى الصين أنَّ "الروبوت" بديل أرخص وأغزر إنتاجا من العمالة مرتفعة الأجور؛ لتعزيز المنافسة في الأسواق الأوروبية...وغيرها.

يُشار إلى أنَّ شركة كوكا تحظى بالصدارة في تكنولوجيا إنتاج الروبوتات الصناعية المستخدمة في مجموعة متنوعة من الصناعات؛ منها: السيارات والمعادن والمواد الغذائية والبلاستيكية. ويعمل في الشركة نحو 13 ألف عامل، ولها أكثر من 20 فرعا في جميع أنحاء العالم؛ من بينها: الولايات المتحدة، والمكسيك، والبرازيل، واليابان، وكوريا، وتايوان، والهند، وجميع البلدان الأوروبية تقريبا. وفي العام 1973، أنْتَجَت أوَّل روبوت صناعي في العالم، وكان "روبوت" بستة محاور إلكتروميكانيكية مدفوعة، واليوم تُنتج الشركة روبوتات ذات أربعة وستة محاور، وكلها يجري التحكم بها بواسطة منصة تحكم حاسوبية مُعقدة.

ولندرك أهمية هذه التكنولوجيا التي تستهدفها الصين نذكر أن "الروبوتات" التي تنتجها الشركة الألمانية تعد العمود الفقري في إنجاز أعمال شركات عالمية عملاقة؛ منها: جنرال موتورز، وكرايسلر، وفورد، وبورش، وبي إم دبليو، وأودي، ومرسيدس بنز، وفولكس واجن، وفيراري، وهارلي ديفيدسون، وبوينج، وسيمنز، وإيكيا، وسواروفسكي، وول مارت، وبدويايزر، وبي إس إن الطبية وكوكاكولا، إلى جانب استخدامها في تطبيقات السيارات ذاتية القيادة، ووصل الأمر إلى استخدامها في عمليات طبية وتجميلية مثل زراعة الشعر!

وعلى هذه الخلفية، تحرص السلطنة على تنظيم الأولمبياد الوطنية للروبوت سنويا، منذ العام 2010، من خلال وزارة التربية والتعليم -ممثلة بالمديرية العامة لتقنية المعلومات- بالتعاون مع الجامعة الألمانية للتكنولوجيا بمسقط. ويصاحب المسابقة عدد من الفعاليات المتنوعة تشمل دورات تخصصية في منطق البرمجة والخوارزميات، وورش تخصصية في الميكانيكا، لتأهيل الفائزين للمشاركة في المسابقة العالمية للروبوت. وفي دبي أيضًا، أعلنت "صحة دبي" تدشين "روبوت" يصرف 12 وصفة طبية في ثوان، في مستشفى راشد، على أن يجري تعميم التجربة على باقي مستشفيات تدريجيا، ولا تزال التجارب مستمرة تمهيدا لانضمام "روبوت" إلى صفوف ضباط الشرطة.