الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : شُركاءٌ فِي الغُنْمِ والغُرْمِ

الأحد 09 أبريل 2017 12:22 ص بتوقيت مسقط

 

حاتم الطائي

تظل الأسئلة الأكثر إلحاحًا في البحث عن إجابات لها اليوم في اقتصادنا الوطني، تتمحور حول ما إذا كنّا في حاجة إلى إعادة النظر في الأداء الاقتصادي على المستوى الحكومي والخاص؟ وما أهميّة إعادة تحديد الأدوار لمختلف القطاعات؟ وما هو الدور الأمثل للدولة في إدارة الشأن الاقتصادي؟

ورغم أنّ هذه الأسئلة تبدو مباشرة وواضحة المعالم، إلا أنّ الإجابة عنها عسيرة للغاية، ومُركّبة، وتتطلب الكثير من الشفافية وقدرة على إعادة ترتيب الأولويّات والتكيّف مع الأوضاع الجديدة، وما تفرضه من إعادة هيكلة وإعادة تعريف للأدوار.. فلا يخفى على أحد آثار الأزمة التي عصفت باقتصادات الدول التي تعتمد على النفط اعتمادًا رئيسيًا بعد انهيار أسعاره، ورغم محاولات النهوض والارتفاع التدريجي في الأسعار، إلا أنّ الذهب الأسود لم يتعافى، والمؤكد أنّه لن يعود مجددًا إلى مستوياته السابقة في المستقبل المنظور. وهذا يشير إلى أننا سنظل نواجه مزيدًا من التحديات على مستويات عدة ولسنوات مُقبلة..

غير أنّه في المقابل وللتخفيف من حدة آثار هذه الأزمة، يستدعي الأمر إعادة ترتيب الأوراق من الداخل، وتنقيح الخطط القائمة لاستبعاد ما يتعارض مع الإمكانيّات وإضافة كل ما من شأنه أن يدعم سياسات التنويع الاقتصادي، شريطة أن تتضمن توزيع أدوار ومهام جديدة على القوى الفاعلة في المجتمع وعلى رأسها القطاع الخاص، فقد كُنّا شركاء في الغُنْم، وعلينا أيضاً أن نكون شركاء في الغُرْم.

كنّا ولا زلنا نرفل في إنجازات ثمار النهضة المباركة، والتي امتدت كنور ملأ أفق الوطن فلم يترك فيها ركنًا إلا ومنحه بعضاً من أسنته، وغيّر ملامحه وواقعه، والآن يئن اقتصادنا من واقع الأزمة التي أثّرت على الجميع؛ يحدث ذلك والدولة تواصل القيام بدورها كاملاً رغم الأزمة، وعازمة على المُضي قدماً في تنفيذ خططها التنمويّة الطموحة مهما بلغت التحديات، وأن يستمر الإنفاق الإنمائي على المشروعات الضخمة ذات الأولوية الاقتصادية والاجتماعية، كما أنّها لم تتخل عن دورها الكبير في مد يد الدعم للقطاع الخاص، بخلق بيئة مُشجعة لنمو استثماراته وتوفير الخدمات الأساسيّة والخدمات العامة الساعية لتوفير مستوى من رفاهية المعيشة للإنسان العُماني، وهي في نفس الوقت تُركِّز على ترشيد الإنفاق وزيادة كفاءته، ومحاولة تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل، وغيرها من إجراءات إدارة الأزمة.

بيد أننا يجب أن نسأل أنفسنا وخبراءنا: هل نحتاج لإعادة النظر من جديد في السياسات؟ أما زالت هناك فرصة لمراجعة إيجابيّات وسلبيّات الخطط الاقتصادية السابقة؟ والسؤال الأبرز: من غَنِم ومن غَرِم أكثر؟

لذلك ونحن نتحدث عن إعادة النظر، ينبغي علينا أن ننظر- على سبيل المثال- إلى التعديلات الأخيرة على قانون الضريبة على الدخل، وما تردد من مواقف قد توضح مدى استعداد كل طرف لتحمل مسؤوليته، فقد أعلنت الحكومة عن خطط ضريبية جديدة، لنقل إنّها إعادة تصحيح لأوضاع قديمة، من خلال زيادة نسبة الضريبة من 12% إلى 15%، في الوقت الذي يبلغ المتوسط العالمي للضريبة 27%. الواقع يؤكد أنّ الحكومة آثرت عدم تحميل القطاع الخاص أعباءً كبيرة، وأن تكون نسبة الضريبة "مناسبة للجميع"، وإن كان ذلك لم يحدث بصورة كاملة.

ويمكن القول إنّ الحكومة كانت بحاجة إلى تقديم توضيح شامل للنظام الضريبي الجديد وأشكاله وأنواعه، وعدم ترك مساحة للشائعات والمبالغات والضبابية التي تشوب المشهد حتى اليوم، فلم يكن كافياً إطلاق البيان في فبراير الماضي وتركه دون إدارة إعلاميّة للقضيّة، خاصة وأنّه يلامس اهتمامات قطاعات كبيرة في المُجتمع وخاصة المُستثمرين.

إنّ مما يلفت الانتباه بروز ثقافة الشكوى والتذمّر بين رموز القطاع الخاص، وخروج أصوات تنتقد الإجراءات الحكوميّة الجديدة وتشكو من الحمل الثقيل المُلقى على كاهلها، فيما دبّ النشاط في أوصال جسد القطاع الخاص الذي سارع بمخاطبة الجهات الحكوميّة بشكل مباشر وغير مباشر لرفع هذا "الحمل الثقيل" وإعادة النظر في الضرائب والرسوم التي فرضت وتخفيف حالة عدم الرضا..

نحتاج إذن إلى إعادة تصحيح للمفاهيم، وتحديد شافٍ وافٍ للمشاركة في الغُنْم والغُرْم وليس في الغُنْم فقط، فالدولة قد لا تتحمل كل هذه الأعباء وحدها دون مشاركة؛ دعونا نطالع الإجراءات في بلدان أخرى والسياسات التقشفيّة الصعبة التي اتبعت هناك، والامتيازات التي ألغيت تماماً.

إننا نحتاج لأن ندرك أنّ أمامنا خيارين لا غنى عن التمسك بهما لعبور النفق؛ الأول يتعلّق بالضرائب وتحديدها والتعريف بأهدافها، أمّا الثاني فيكون عبر تغيير الأداء والارتقاء به، والأمر الطبيعي في العالم هو أن يدفع المواطن ضرائب في مقابل أن يحصل على خدمات أفضل، ولهذا علينا أن نتحمّل قليلاً عبء ما نحصل عليه من خدمات.

الأمر لا يتعلّق فقط بترويج شعارات تتحدث عن "ربط الأحزمة" وتخفيف النفقات، فلا زال بيننا الكثير والكثير من المُسرفين بمختلف أعمارهم، وإذا أردنا البحث عمّا يؤكد ذلك يمكننا فقط مراجعة القليل من الأرقام عن مستويات الإنفاق وأنواعه، أو على الأقل معرفة متوسط المبالغ المالية المدفوعة في رحلات السفر للسياحة بالخارج أو لشراء سيارات فارهة، ولا يختلف الأمر بين شاب في بداية حياته قد لا يمتلك دخلاً كافياً للإنفاق على مغامراته، وآخر يمتلك ما يكفي من الاحتياطي النقدي؛ ثمّة ثقافة استهلاكية عليها أن تتغير.

ويمكن القول إننا بحاجة إلى حملة وطنية شاملة تشرك فيها مختلف الجهات حكومية وخاصة، تضع خطة تهدف إلى توزيع المسؤولية على مختلف الأطراف؛ إلى أن يدرك الناس أننا أخذنا الكثير والكثير من ثمار النهضة، وآن الأوان لنتحمّل ونَهُبَّ سوياً لنقلل عجز الميزانية، عبر التكاتف وتضافر الجهود لمواجهة الأزمة وتجاوزها ونحن أقوى وأكثر قدرة على التقدم بخطوات واثقة نحو المستقبل.