الأربعاء, 19 سبتمبر 2018

مقال : عُمان الحضارة

السبت 04 مارس 2017 09:55 م بتوقيت مسقط

 

حاتم الطائي

لَمْ يَكُن مِنْ قبيل المُصَادفة أنْ يختار مَعرض مَسْقَط الدُّولي للكتاب، صُحارَ ضيفَ شرف نسخته للعام الحالي؛ فهي الولاية المعبَّق تاريخُها بإرثٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ يمتدُّ لآلاف السنين. وقد جاءت مشاركتها بمثابة آلة زمن عادتْ بعُمانيي الحاضر إلى حيث تاريخ "الغبيراء"، "مجان" المجد؛ ليقتبسوا من تاريخها شُعلةً مُضيئةً يشقُّون بها عتمة هذا الزمان، ويتجاوزون غاباته الموحشة؛ وليفتحوا حُجُب المستقبلِ؛ بهُوية عُمانية خالصة لها نَبْعُها وروافِدُها وأصُوْلها الواضحة الممتدة لأكثر من ثمانية آلاف عام.

وعندما يَنْحُو الحديثُ صَوْب حضارة عُمان، كبلدٍ مُوْغِل في القدم، فإننا نعني تلك السمات الأصيلة المميِّزة لها، والتي وُلِدت وتَرَعْرَت وعَاشَتْ واستمرَّتْ، ولا تزال على هذه الأرض، بعُنفوانٍ شبابيٍّ رغم اقتراب تاريخها من إكمال الألفية السابعة، كحضارةٌ ضاربةٌ في عُمق الزمان؛ انطلقتْ إلى البحار المفتوحة في وقت مُبكِّر من عُمر الإنسانية، فكوَّنت "عَلاقات دبلوماسية مُتفرِّدة" قبل أن يَعِي قاموس السياسة الحديثة تلك المفردة أو مبادئها، أو حتى الأطر الرئيسية لها؛ مدوِّنة بذلك شهادة ميلاد الدولة العُمانية ببصماتها الواضحة على صحائف التاريخ، بعزيمة أبنائها وإيمانهم بقدراتهم وإمكاناتهم؛ مُستفيدين من مُقومَّات العيش المتوفِّرة لهذه الأرض الطيبة على مدار التاريخ، وليؤسِّسوا ممالكَ وإمبراطوريات امتدَّ نُفُوْذُها خارج النطاق الجغرافي والثقافي ليصل إلى بلاد ما وَرَاء البحار.

فقد استطاعتْ عُمان التي تقف اليوم -بشموخ هُويتها المتفرِّدة- في الرُّكن الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، مُمثِّلة أقصى امتداد لليابسة ‏العربية صَوْب شبه القارة الهندية، واقترابها من سواحل شرق إفريقيا؛ وإستراتيجية موقعها كمدخل لمنطقة الخليج العربي، أنْ تكسب الرِّهان في تحدي ثنائية الأصالة والمعاصرة، وأن تعزِّز نُضْج الشخصية العُمانية في التعاطي المَرِن مع مُختلف الأحداثِ والملمَّاتِ، وقُدْرَتها على التَّماسُك في وَجْه رياح الأزمات العاتية، مع قدرة هائلة على استيعاب مُتغيرات الزمن؛ لتُشكِّل بذلك رصيدًا زاخرًا يمزج بين التراث العربي والإسلامي والفطري؛ رصيدٌ متأصِّل في أعراق الهُوية، متوهِّج في عُمق سماتها الفريدة التي تتَّصف بها.

إنَّ الحديث المتجدِّد حول العودة للجذور، والعض بالنواجذ على مُفردات هُويتنا، والتمسُّك بقيمنا، والاحتكام للتأريخ؛ هو في حقيقته مَيْدانٌ رَحْب، لابد أن تستمر محاولات سَبْر أغواره وتتواصل؛ فأبعادُ الهُوية في أيِّ مُجتمع تَعْنِي حضورًا فاعلاً للتاريخ والثقافة والفكر والإرادة فى صناعة الفعل الحضارى والتنموي، بما يُجسِّده ذلك من دلالات لعلاقة الإنسان بالمكان والزمان وثقافة المجتمع، وبما تنطوى عليه من توجُّهات دافعة لقوى الإبداع والتميُّز، وفق قيم داعمة لإرادة العمل المجتمعى؛ سواءً كانت ثقافيَّة، أو آراء ومُعتقدات، أو مبادئ أخلاقية ومعايير سلوكية.

لقد تمكَّنت الهُوية العُمانيَّة -بتوازنها وعُمقِها وتنوُّعِها- أن تكون على مدى تاريخيتها مِثَالا يُحتذى؛ بعد ما حقَّقته على المستويين الداخلي والخارجي؛ إذ تمكَّنت من احتضان أبناء عُمان في الداخل من سَّهل وجبل وبحر وبدو؛ وما امتلكته من لغة تواصل واتصال مع العالم من حولها، تقوم على مبادئ الحوار مع الآخر واحترام خصوصيته والاعتراف به؛ كسلسلةِ تواصلٍ حاضرة في كل المواقع والأحداث. وقد أكْسَبها المنجزُ المتحقَّق اليوم بفضل رُؤى وتوجيهات مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- مَيْزَة أن تتعمَّق وتتجذَّر في نفوس الأجيال الجديدة، مُستفيدةً مما حفظته الذاكرة من مَعَارف وخبرات أسهمتْ في ربط العُماني بأرضه وتراثه، وما تحقَّق لوطنه من رصيدٍ ثقافي وفكري ومعرفي قابل للتكيُّف والتعاطي مع الأفكار، بوسطية منهجه، وقراءته المتزنة للأحداث.

إنَّ هذه الحالة من التواصل القِيَمِي والثقافي العابر لحدود الزمن، والرَّابط لأجيال يجمعهم همٌّ واحدٌ هو الحفاظ على ما تحقَّق، والتأسيس عليه لمواصلة الإنجاز؛ يُؤكد أنَّ المتغيِّرات الحضارية تَسْرِي كالحرارة في جَسَد المجتمعات. ورغم فاعلية ما حققناه من تفرُّد في ملامح هُويتنا العُمانية، إلا أنَّنا وفي ظل هذا التنامي العَوْلَمي الآخذ في الانتشار، لا نزال بحاجة لإغناء هُويتنا، وإعادة تعريف الأجيال الجديدة بثوابتها؛ بطرق ووسائل حديثة؛ إذ لا تُوْجَد فى أية هُوية "عناصر مَنَاعة" ضد التفاعل مع مُقتضيات العصر. ولكن شريطة أن تظل خصوصيات الهُوية متعلقة بأُطر التفكير العقلي حول الغايات والقيم ومعايير النظرة إلى المستقبل.

ويبقى القول في الأخير، أنَّ الأبعاد التاريخية للحضارة العُمانية القديمة وصلاتها التاريخية الكبرى مع الحضارات القديمة، لاسيما السُّومرية والبابلية والفرعونية والرُّومانية.. وغيرها، أصَّلت لمفاهيم تنتصر للإنسانية، وتؤكِّد على المشترك الإنساني كمدخل للتقارب والتواصل والسلام؛ ولتشكِّل بذلك نهجًا راقيًا وموقفاً ثابتًا، يبقى وسام فَخْر يتوجَّب على أبناء عُمان الاعتزاز به، والتفاعل معه، والعمل على استدامته في التعاطي مع المستجدَّات من حولنا؛ ليَبْقَى عُوْدًا غضًّا طريًّا تتناقل الأجيال مُهمَّة رعايته والحفاظ عليه؛ بكل أمانة وفَخَار.