الخميس, 13 ديسمبر 2018

مقال : ألف كتاب وكتاب

السبت 25 فبراير 2017 09:51 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

ما إنْ تخطو خطواتك إلى مَرْكز عُمان الدُّولي للمؤتمرات ضَيْفًا على النسخة الثانية والعشرين من معرض مسقط الدولي للكتاب، حَتَى تتداخَل لديك مَشَاعر الانبهار والإعجاب بما استجدَّ من تطوير وتقنيات، عزَّزت رِسَالة هذا العُرس الثقافي؛ الذي يحتضنه اليوم مَعْلَمٌ حضاريٌّ جديد، بقاعاته المجهَّزة، وأجنحته وأركانه المترامية على طُول مساحته، وبإشراقات جديدة ووَمَضات وهَّاجة، تنثرُ عَبَق الأحبار ورائحة الُكتب؛ فتستثير الحواس، وتقود الخطى نحو عناوين عميقة، وكتابات تلج شتى صنوف العلم والمعرفة؛ فيجد المرء نفسه -المشدوهة بهذا الاكتظاظ البشري والمعرفي- مشحونةً بطاقة إيجابية تحثُّه على مُعانقة الكلمات والحروف، واقتناء المزيد من الكتب.

وكما هِي حال الإبداع العُماني في نُسخ العقديْن الماضيين، تحظي نسخة هذا العام بحضور كبير للإصدارات العمانية، والناشرين العُمانيين، والعديد من الأسماء الجديدة القادمة بقوة إلى ساحة الإبداع.. فقد استرعى انتباهي في هذه النسخة ذاك الثراء الذي أحْدَثه الفرسان الجُدد من روَّاد الفكر، ممن انضموا هذا العام لسجل المبدعين، بكَشْفِهم عن باكورة أعمالهم التي ازدانت بها أجنحة المعرض، مؤشِّرة على جَذْوَة إبداعية وقَّادة؛ جادتْ بالشعر والقصَّة والرواية، متجاوزةً إلى ميادين السِّير الذاتية، والترجمة، وأدب الرحلات، والنقد، والرياضة.. إلى آخر قائمة تطول بصنوف التميُّز؛ تتجسَّد أمثلتُها في إصدارات النادي الثقافي، وجمعية الكتاب والأدباء، والضامري، وبيت الزبير، والوصال، وبيت الغشام، ودار الورَّاق وتلك الأخيرة تحديدًا تمكَّنت خلال فترة وجيزة أن تُنجز الكثير والكثير.

إنَّ رقم 450 ألف عنوان في نسخة هذا العام، يدعم المكانة التي يحظى بها المعرض عامًا تلو الآخر؛ حيث أضحتْ الأيام الأخيرة من شهر فبراير من كلِّ عام تاريخًا محفورًا في ذاكرة المثقفين وعشاق الكلمة؛ باعتبار أنَّ لهم فيها مَوْعدًا يستقون فيه المعرفة، دونما أدنى رقابة؛ في تظاهرة تَرْفَع شعار "انعدام الممنوع"؛ فعلى أرفف أجنحة المعرض تجد كتابات تمخر كلَّ عُباب، لم يُمنَع منها شيء -رغم اختلاف الآراء حول بعضها- مما أسهم في إثراء ساحات المعرض بكتابات تزداد عُمقًا ونُضجًا، وتَخْرُج على المألوف؛ فالقائمون على التنظيم يُراهنون على وَعْي الجُمهور لفرز الغثِّ من السمين، واختيار الكُتب التي تدعم الفعل المعرفي بعيداً عن محاربة حرية الإبداع.

وثمَّة أمرٌ آخر جدير بالانتباه، في سياق المغايرة الأدبية لنسخة هذا العام؛ وهو إقامة أكثر من 54 فعالية ثقافية في أوَّل تقليد يتمُّ ضمن فعاليات المعرض، وكذا مائة فعالية للأطفال؛ خُصِّصت لها قاعات متكاملة، وهناك أركان موسَّعة للبرامج الثقافية للطفل، والمبادرات المجتمعية الثقافية، والمقاهي الثقافية المنتشرة هنا وهناك بمختلف الأجنحة، عدًّا على الأماكن المخصَّصة لمشاركة الجهات ذات العلاقة بصناعة ونشر الكتاب وإبرام عقود الإنتاج والنشر.

ومن بين المشاهد اليومية التي باتتْ مَألوفة بساحات معرض هذا العام، توقيعات الكُتَّاب والمؤلفين لإصداراتهم بين الزائرين والمتابعين؛ وهو تطوُّر لافت للغاية؛ يُواكب المكانة الثقافية للمعرض التي يحلُّ اليوم ثالثاً في روزنامة المعارض السنوية بعد معرضيْ القاهرة والدار البيضاء، وهي فرصة مُواتية لهؤلاء المبدعين لتحقيق غايات كتاباتهم. وبالمقابل، يُسجِّل الكتاب الإلكتروني هو الآخر حضورًا بارزًا في هذه النسخة أكبر من الدورات الماضية، فضلا عن الحضور الطاغي والكثيف لكتب الأطفال، والوسائل التعليمية، والتي لا تخطئها العين؛ فأجنحة عرضها تحظى بإقبال وفير.

وعلى ما للنسخة الحالية من دلالات أدبية تحمل ثراءً للمشهد الثقافي العُماني والعربي، كانت الأبعاد الإنمائية حضارة وبقوَّة. فاختيار "صُحار" ضَيْف شرف نسخة 2017 لمكانتها في ذاكرة التاريخ العُماني، وما تتميَّز به من حضور علمي وحضاري وسياسي وأدبي، هو كذلك في جانب منه -وباستخدام المحسِّنات البديعية، لمناسبة المعرض، من كِنَايات واستعارات- يعكسُ بُعدًا اقتصاديًّا وآمالًا تنعقد على هذه الولاية كفرس رِهان لمرحلة التنويع التي نعيشها اليوم. فإنْ كانت صُحار من الناحية الأدبية اشتهرتْ بسوقها الأدبي من أيام الجاهلية وقبل بزوغ فجر الإسلام -والذي كانت شهرته تضاهي سوق عكاظ- فإنَّها اليوم تتوافر على منطقة صناعية تنعقد على أعمدتها وجدران مصانعها طموحات المنافسة عالميًّا. وهي وإنَّ كانت كذلك بوابة دخلتْ عَبْرها عُمان إلى رحاب الإسلام، فإنَّ التطلعات تنعقدُ على أنْ تكون بوابتها لمصاف دول العالم الأول. وهو في رأيي اختيار يمتزج فيه الإبداع بالاقتصاد، والتاريخ والدين بالتنمية؛ لأجل هدف واحد؛ هو: رفعة عُمان الوطن.

إنَّ معرض مسقط الدُّولي للكتاب في نسخته الثانية والعشرين، وعلى ما حَظِي به من رعاية وتطوير، باتَ مُنافسًا قويًّا لأقدم التظاهرات الثقافية، ليس على المستوى الخليجي فحسب، بل والعربي والعالمي؛ بفضل ما يُتيحه من مناخ مثالي للتعاطي مع الثقافة والمعرفة في أوسع تجلياتها ومعانيها، وكفرصة سانحة لتلاقي الأفكار وتبادلها، والوقوف على مُستجدات الفكر وما أنتجته عقول المثقفين والأدباء والكُتَّاب، فهنيئًا لمسقط هذا العُرس السنوي المتجدِّد دائمًا، وهنيئًا لنا جَذَوات إبداعية وقَّادة تحتاج من يحتويها وينمِّي موهبتها، وهنيئًا للجنة المنظمة هذا النجاح الباهر، وتلك الروح التوَّاقة للتطوير كُلَّما سنحتْ الفرصة لذلك.. وكل عام والمعرفة عنوانًا لعُمان.