الخميس, 22 أغسطس 2019
35 °c

مقال : ماذا تعلّمنا من ديننا؟

الإثنين 02 يناير 2017 06:13 م بتوقيت مسقط



د. صالح الفهدي

تأمّلتُ في نفسي أرفعَ درجات التَّسامح بعد حادثةِ طردِ النبي صلى الله عليه وسلم وإيذائه بعد دعوته لأهل الطائف للإسلام، في تلك اللَّحظة التي شعرَ فيها النبيُّ عليه أفضل الصلاةِ والتسليم بالوهنِ والضعف، ودعا دعاءه المشهور، فبعث الله إليه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين(أي الجبلين) فيجيبه الحبيبُ المصطفى "بل أَسْتأني بهم، فلعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبُده لا يُشرك به شيئاً".. تسامحٌ رفيعٌ في حالةٍ من الضعفِ الشديد..! ثم تأملتُ أيضاً في نفسي حادثةً مقابلةً هي دخول النبي الكريم عليه السلام مكة بجيش عرمرمٍ قوامهُ عشرة آلافِ مُقاتل..! مكة التي أُوذي فيها وطُردَ منها وهي أحبُّ بلاد الله إلى نفسه، يعودُ إليها صاحب مكَنةٍ وبأسٍ شديدٍ، فيظنُّ أولئك الذي تسببوا في الإيذاءِ وفَجَروا في الخصومة أنَّ هذا يومهم الأخير، فإذا برسول الرحمة المهداةِ يقول لهم"اذهبوا فأنتم الطلقاء".. عفوٌ مطلقٌ في قدرةٍ عظيمة..!!
ماذا تعلّمنا من ديننا نحنُ الذين ندّعي الإسلامَ وهو منهجُ حياةِ لا جلبابَ ولا تمظهر إن كنّا لا نتقنُ فنَّ العفو والتَّسامح..؟! قلوبنا غليظةٌ تنتظرُ أن تقعَ زلّةٌ غيرَ مقصودةٍ فإذا بنا نَفْجُرُ في الخصومة، ونتمادى في العداوة، ثم نتذاكر فيما بيننا تلك القصص العظيمة عن عفو النبي الكريم وتسامحه..!! يقول لي أحد رؤساء المحاكم: إنَّ أصعب القضايا التي نواجهها هي التي يكون طرفها أحد الذين يدّعون التديّن في ظاهرهم لأنهم قليلاً ما يتسامحون..!!  
ما الذي تعلّمناه من ديننا إن كانت ثيابنا بيضاء نقيّة، في حين أنَّ قلوبنا سوداءَ حاقدة..؟! نذكرُ الاقتداءَ بالسنّة الشريفة، فنأخذ القشور ونترك اللّباب .. واللُّبابُ هو أصلُ الدّين لا المظهريات والهيئات..! الإسلام بات يُريدُ صدقَ العملِ لا يُريدُ شكلاً وهيئة غير فاعلة في حياة المجتمع، وعالم العمل العصري.
ما الذي تعلّمناه من ديننا ونحن نغشُّ في سلعنا، وفي تجارتنا حتى أصبحنا نتخوّف من التَّعامل مع ذلك الذي يُظهرُ الورعَ والتقوى وذكر الله ويرقِّص أصابعه بين حبّات المسبحة، لأنَّه أصبح في يقيننا محتالٌ على النَّاس مبتزٌّ لأموالهم باسم الدين..!! في الوقت الذي نرى في التعاملِ مع الأجنبي راحة واطمئناناً ..! ثم نذكرُ أنَّ أعظم صفات نبيّنا الكريم التي اكتسبها من عمله في التجارة قبل البعثة هي (الصادقُ الأمين) ونتباهى بتلقينها أبنائنا..! في سويسرا وجدتُ محلات تجارية مُقفلةٌ بعد الدوام وبضاعتها في الخارج، ورأيت سلعاً تُعرضُ دون بائع، وقابلتُ أناساً تعتبر الكذب عاراً يُسقطُ صاحبه من نظرِ المجتمعِ..! فانظر كم هم لدينا من الكذّابين المهرة من تراهم في الصفوف الأولى في المساجد..! ومن الغشّاشين الذين لا يعرفون إلاّ القسم بالله وهم يتخطّون رقاب النَّاس ابتغاء الأجر العظيم في الصفوف المُتقدمة..!!  
ماذا تعلّمنا من ديننا وقد قسّمنا الإسلام العظيم إلى شيعٍ وطوائفَ ومذاهبَ أصبحت لا تدلُّ على سعةِ الدّين ورحابته كما أرادَ منشؤوها وإنّما فَرَقاً للتناحر والتقاتل والتباغض والشحناء والبغضاء ..! يتفرّجُ شيوخها وعلماؤها على أتباعها فيشعرون برضا الولاءِ منهم، وعمى الطاعةِ لهم..! بل ويؤلّبونهم ضدّ بعضهم البعض بدلاً من أن يجعلوا الأمر الإلهي العظيم لأمة الإسلام "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا"(آل عمران/103) إلى أن أصبحت الأمّة ممزّقةً كالثوبِ البالي، يسخرُ منها الصديقُ قبل العدو..!
ماذا تعلّمنا من ديننا إن كنّا ندّعي أنه دينُ القيم السامية التي نتبجّحُ بذكرها، ونتشدّقُ في امتداحها ثم لا نمارسها في حياتنا الواقعية..! الحياة التي هي الميدانُ العمليُّ لبرهنة الإيمان وإلاّ تعطّلت فاعليته.! الموظف الذي يتركُ مكتبه ويخلّف طابوراً من المُراجعين ليذهبُ للصلاةِ في المسجدِ ثم يتأخرُ كما يحلو له للدعاءِ يحسبُ أنَّ في ذلك أجراً وفي الأصل فإنّ فيه ذنبٌ عظيم لأنه ما فهم مقصدَ الدّين إذ عطّل مصالح العباد على حسابِ عبادتهِ التي مدّدَ وقتها..! والطبيبُ الذي لا يخلصُ التشخيصَ ولا المعاملةَ لم يعِ معنى الإخلاص، ومُقاول البناءَ الذي يغشّ في موادِ البناءِ لا يعرفُ قيمة الوفاءِ بالعهد، وبائعُ الأسماكِ الذي يبيعُ سمكاً فاسداً لم يراعِ الأمانة التي حمّل إياها..! هذا هو الدّين إن لم يكن الحياة فلا فائدةَ منه..! سألتُ في معرض بحثي عن تطبيق القيم الإسلامية في المؤسسات الحكومية فكانت الإجابات تأتيني مُتطابقة: نعرف عن القيم الإسلامية ونؤمن بها ولكننا للأسف لا نُطبّقها..!! لا الصدقُ ركنٌ، ولا الأمانةُ قاعدةٌ، ولا الإخلاص عمادُ فكيف تقومُ للأُمّة قائمة؟.
ماذا تعلّمنا من ديننا والوقت يتسرّب منّا تسرّب الماء بين الأنامل، حتى أصبحنا أدنى الأمم تقديراً للوقت، وأضعفها شعوراً بمعناهِ وقيمته، ثم يصبحُ ذلك الذي يدّعي أهمية الوقت أكثر من يضيّعه إن جئت تقتفي ساعات يومه..!
ماذا تعلمنا من ديننا ونحن حُسّادٌ لبعضنا نتمنى ذهاب النِّعمةِ من المُنعمِ عليه وانتقالها إلينا لننعم بها بدلاً عنه، فإن لم تنتقل أَعَقْناهُ، أو أبغضناهُ واغتبناه بألسنتنا الحِداد (وذلك أضعفُ العدوان)..!
ماذا تعلمنا من ديننا ونحن لا نعي المقاصد العليا من عبادات الصلاةِ والصوم والزكاةِ والحج التيُ نمارسها، فإن لم تستقر المعاني الروحية العظيمة في النفس فكيف يكونُ الوعي بمقاصدها وكيف يكون التنفيذ لها ..؟!
ماذا تعلّمنا من ديننا ونحن نزهدُ في قيمة العلم، ونلهثُ وراءَ الحصول على مجرّد ورقة تضيفُ إلينا شيئاً من مالٍ أو لقب لا يغني شيئاً دون معرفةٍ قيّمةٍ، ودفعٍ حقيقي للبناءِ الحضاري..! يزخر الدّينُ بالمفاهيم السامية، والمعاني العالية للعلم غير أننا نكتفي بترديدها ثم نُفارقها في الواقع لأنَّ الواقع يتطلّب (انفصالاً) عن الذات الصادقة، الواعية..! في الوقت الذي تبني فيه الأمم حضاراتها بالمعرفة الأصيلة التي تؤسس لعالم القوة؛ قوة اقتصاد المعرفة وليست قوة العتاد العسكري أو كثرة الموارد الطبيعية..!
ماذا تعلّمنا من ديننا وقد ضيّعنا الأمانة في جوانب لا يكونُ الصلاحُ إلا بها، ضيّعناها في أنفسنا إذ أُصبنا بالانفصامِ بين دينٍ عظيم نعتنقه، وأفعالٍ نمارسها لا تطابقه..! وضيّعناها في تربيتنا لأبنائنا إذ أضعنا مفهوم القدوة الحسنة لهم وحسن التربية لهم..! وضيّعناه في أوطاننا فكثر الفسادُ الإداري، وشاعت بيننا الرشاوي حتى أصبحت أعتى المعاملات وأعقدها تنالُ بأحقرِ الوسائل، بل إنّ هناك من مرضى القلوب من يساومُ صاحبة الحاجةِ على الأعراض..!
ماذا تعلّمنا من ديننا إن كان علماؤنا قد تركوا قضايا التعليم والتنمية والحضارة والتطور وهي قضايا مصيرية، واهتموا بقضايا تقيّد الأمّة بل وتؤخرها عن انطلاقاتها الحضارية في عصر التنافس العلمي والصناعي والمعرفي..!
يجبُ علينا أن نتوقف ونسأل أنفسنا: ماذا تعلّمنا من ديننا؟ ولندرِ ظهورنا للإجابات النظرية التي أعاقتنا، وخدّرتنا، وأعمتنا عن الحقائق ولننظر إلى الواقع نظرة صدقٍ، وتمحيصٍ، ونقدٍ، وشفافية.. ولنتمعن -بكل تجرّدٍ من هوى أو عاطفة -إلى الدراسة التي أجرتها جامعة جورج واشنطن الأمريكية وجاءت نتيجتها أنّ الدول العربية والإسلامية تقبع في مراكز متأخرة ضمن قائمة الدول التي تطبق تعاليم الإسلام..!! في حين أنَّ دولاً ليست إسلامية هي التي تحتل المراتب الأولى في الالتزام بالقرآن مثل إيرلندا والدانمارك ولوكسمبورغ التي جاءت على رأس اللائحة..! قارن الباحثون في الدراسة دساتير 218 دولةٍ،  وأسسُ حكمها، واقتصادها، وتعاملها مع المواطنين مع 113 مبدأ إسلاميا مستمدا من القرآن والسنة، فيما يتعلق بالعدالة وتوزيع الثروة والحريات والاقتصاد .
إذن فإن كان هناكَ من يجني على الإسلامِ فنحنُ الذين نجني على ديننا وليس غيرنا إن تعاملنا معه على أنه مجرّد كتابٍ يُقرأ، وطقوسٍ تمارس، وجلبابٍ يُلبس، وهيئاتٍ تحتذى ..! نحن الجانون الذين لم يعرفوا شيئاً عن دينهم إن لم نَرَ الدّينَ في ابتسامة الوجهِ، وصدق التَّعامل، ونظامِ الطابور، وطريقةِ خلعِ الحذاءِ، وتسهيل معاملات الناس، والإحسانِ إلى البشر. نحن الجانون إن لم نر الدين ماثلاً في يَدِ عابرِ الطريق وهو يرفعها شكراً، ونراه في عبارة "السلام عليكم" يرافقها وجهٌ بشوش. نراه في السلعةِ غير المغشوشة، والثقةِ المحسوسةِ. نراهُ في توظيف الكفاءات، وبناءِ وتمكين القيادات. نراهُ في تحفيز المُجتهدين، وتشجيع المُخلصين. نراه في محاسبة المختلسين، ومعاقبة المقصرين. نراهُ في كل تفاصيل حياتنا حيّاً يمشي على الأرض حينها نعلمُ يقينا أننا عرفنا معنى ديننا..!

 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية

علّق fatima nour في 14:02 - 3 يناير, 2017

مقال في الصميم ، وأنا أقرؤه تمر أمامي تلك الممارسات و المواقف التي تحدثتم عنها ، ما أحوجنا في وقتنا الحالي إلى مثل هذا التأنيب الذي يمكن أن يوقظ الهمم النائمة ، شكرا لكم