الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

مقال : ماذا يعني تحذير المدعي العام؟!

السبت 10 ديسمبر 2016 09:54 م بتوقيت مسقط

علي المطاعني

يكتسب تحذير المدعي العام حول الأبعاد القانونيّة لإثارة النعرات المذهبية والقبلية ‏في المجتمع أهمية كبيرة، كونه يذكر المجتمع بخطورة إثارة النعرات الطائفية والعصبيات الممقوتة، مما يهدد تماسك المجتمع ووحدة نسجيه، فالبعد عن هذه الدعوات، والبعد عن البغضاء التي يبثها البعض بدواع داخلية وخارجية، هو وحده ما سيحفظ تماسك المجتمع، فهذه الدعوات للأسف تجد من يسمعها، ويصغي لها من ضعاف النفوس فيبدأون في الترويج لها، لذا فتحذير المدعي العام يشكّل رسالة قويّة للجميع فحواها: أنّ الأرض العمانية طيّبة لا تنبت إلا طيبًا، كما أنه يشدد على أنّ ثمة عقوبات رادعة لكل المخالفين والمتاجرين بالدعاوى الطائفية والقبلية البغيضة.

فالتحذير يكتسب أهميّة كونه جاء في ظل ضبابية تخيم على منطقة الخليج، لعوامل تعود لأسباب سياسيّة ودينية أحدثت شروخًا في جدار الأمن الاجتماعي ليس بين تلك الدول فحسب، وإنما داخل مجتمع الدولة الواحدة أحيانًا، وذلك للأسف يعود إلى وجود أرضية مناسبة تعشعش في هذه الدعاوى وسط تلك المجتمعات، بالإضافة إلى وجود من يصغي لها من إفرادها، بسبب عدم التصدي الحاسم لتلك العوارض التي تنخر في جسد تلك الدول.

ففي هذه الأجواء المشحونة جاء تحذير الادعاء لتوعية المجتمع العماني بعدم الانزلاق في متاهات هذه المهاترات المذهبية والقبلية وكل أشكال العنصرية التي تمقتها الأديان والأعراف وترفضها الإنسانية، لما تثيره من عواهن حان الوقت لوأدها في مهدها، فالتوعية بهذه الجوانب من الأهمية بمكان من وقت لآخر، فهي رسالة تحمل تذكرة للغافلين وتوعية لمن تأخذهم العصبيات نحو الانحياز لطائفة أو قبيلة على أخرى.

وحسنا فعل التحذير عندما ركّز على العقوبة التي شرّعها المشرع العماني والذي اعتبر إثارة الطائفيّة جريمة من الجرائم الواقعة على أمن الدولة، و‏عقوبتها عشر سنوات وفق قانون الجزاء العماني، نص المادة 130 مكرر، وهو ما يعكس حجم وخطورة إثارة النعرات الطائفية في الأطر العمانية التي جاءت لحماية المجتمع من خطرها، ولعلّ تكيّف جريمتها، كجريمة واقعة على أمن الدولة، ما يشير إلى مدى ما توليه السلطنة من أهميّة لمكافحة هذه الآفات وحرصها على سلامة فئات المجتمع منها.

إنّ الرؤية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله - عززت المواطنة بين أفراد المجتمع بعيدًا عن التصنيفات البغيضة التي تفرق بين أفراده، وأرسى أسس الكفاءة في الاختيار وإلغاء كل ما يبعث على الفرقة بين أفراد المجتمع، وأكد في خطاباته ولقاءاته نبذ أشكال التطرّف وخاصة في خطابه بالعيد الوطني الرابع والعشرين المجيد الذي وصف فيه "أنّ التطرف مهما كانت مسمّياته والتعصّب مهما كانت أشكاله والتحزّب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته والعصبيّات بأنّها نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العمانية الطيّبة التي لا تنبت إلا طيبًا ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق"، وهذا الاستدلال له من الدلالات ما يشير إلى أنّ التوجه العام للدولة لا يرتضي هذه الآفات أن تكون في البلاد.

ولعلّ تأكيدات سماحة مفتي عام السلطنة على ابتعاد البلاد عن هياج الفتن وزوابعها التي تلم ببعض الدول وتوارث المجتمع العماني أبا عن جد التآخي والترابط أسهما في ابتعاده عمّا يعكر الصفو بين أبنائه، فاليوم الكثير من أبناء الشعب العماني لا يعرف عن الطائفية والمذهبيات وغيرها، بل لم يعرفوا بهذه الملوثات إلا من خلال الفضائيّات التي تسمم الأجواء وتلوّث العقول.

إنّ سمة التعايش والتسامح، هي إحدى السمات شديدة الالتصاق بالمجتمع العماني، لدرجة أنّها أصبحت سلوكا عمانيا بامتياز، سلوكا يلقى الإشادة من جميع دول العالم والمنظمات الدولية، لما يحمله من تحضر أبعد المجتمع العماني عن مسالك الخطر التي تهدد كيانات المجتمعات اليوم، وأسهم في انسجام أفراد الوطن في كل مسالك الحياة، وجعل السلطنة قبلة للأمن والأمان، وهذا يؤكد أنّ التوافق والروح العالية التي تسود أبناء عمان، لم تأت من فراغ وإنما عبر منهجيّة واضحة أرسى مبادئها جلالة السلطان المعظم، وترسّخت في المجتمع العماني طوال السنوات الماضية كسلوك حضاري.

ولعلّ تحذير المُدِّعي العام للبعض بعدم بث بعض الوقائع التي لها صبغة تاريخيّة ونشرها في بعض المناسبات للتحريض أو الإساءة إلى بعض المذاهب أو القبائل جاء ليؤكّد على هذا النهج القويم الذي تنتهجه السلطنة في التعاطي مع هذا الجانب، وأنّ من يسلك ذلك يقع في المحظور الذي يعاقب عليه القانون وتجرى له التحقيقات والمحاكمات.

نأمل أن يتفهّم الجميع دواعي مثل هذه التحذيرات، ويدركوا نعمة المواطنة والتوافق والانسجام المجتمعي، وما تمثله من ضمانه للحفاظ على سلامة المجتمع والنأي به عن كل ما يشين العلاقة الحميمية بين مواطنيه، مما سيعزز الترابط بين فئاته، ولا يترك مجالا لأصحاب النفوس الضعيفة لشق الوئام والذي ننعم به، والذي يمثل مصدرا أساسيًّا للتنمية والرفاهيّة التي نعيشها.